الرحلة الأولى لصحراء حسمى 2023
بعد الشهر الأول من الغرق في صورة ظافر للصحراء، عثرت على رحلة عنوانها “تجربة البدو في الصحراء”، ولأنني لا أعبث مع القدر لملمت حقيبتي وقررت خوض التجربة.
سرنا في الطريق من المطار، جبال وصحراء تتدرج ألوانها بين الأحمر والأصفر، السائق في ريعان شبابه، اختار مهنته الثانوية هربًا من الملل وربما ليدلّ الناس على ثراء مدينته ويتحدث مع الغرباء، انساب الحديث بيننا عن كلّ شيء، عن حالة المدينة وتضاريسها، عن المجتمع والقضايا العربية، كان مبتهجًا ومتعجبًا من حماستي للتجربة، وحين أخبرته أنني لم أزر البحر منذ مدة طويلة قرر أن يأخذني إليه.
اقتربنا من أعشاش خضراء ممتدة، قصيرة ذات خُضرة يانِعة ومُشرقة، تُزاحمها نباتاتٌ يابسة، كانت المفاجأة أزرق البحر بعد كل هذه الخُضرة، صرخة آه واحدة ما كانت كافية للتعبير عن غرقي في الجمال، هناك زرعت أول بذرة محبة في قلبي للشمال، ولا أزال أتذكرها حتى الآن بعد مرور سنوات، بالتأكيد عشت في المشهد بكامل حواسّي وإلا كيف لذاكرتي أن تُعيده عليّ حتى الآن!
حين كبرت صارت ذاكرتي حنونة، شهيّتها مفتوحة لتقسيم الأحداث التي أعيشها، بين هامش يبتلع كل شيء غير مهم وكاذب، وصندوق صغير يلملم اللحظات الصادقة والحقيقية، معظمها جيّد ودافئ ومؤثر والقليل منها سيء ولكن لا ينبغي عليّ نسيانه، وجوده لا يسوؤني بل يمنحني القوّة والحذر.
نزعت الحذاء، مشيت على الشاطئ، بين البحر واليابسة، ماء بارد ورمال خشنة، وشمس تسيل خيوطها من السماء، مُشعّة لا تحرق الأشياء، بل تمنحها دفئًا وبريقًا منعشًا، وقد نلت نصيبي منها، استشعرت هذا الدفء في قلبي، وتركت في البحر أناي القديمة، تلك الصبيّة التي ظلّت تركض للمجهول ما عاد الركض يُغريها ولا التوقف يُرعبها، انسالت مني تراكمات العيش، وصرت أنقى وأقدر لمواجهة الصحراء.
ليس هناك دليل إرشادي يُعلّمنا كيف نكون في الصحراء، أو كيف نلتقي بها، ولا حتى كيف نستمع للصوت الذي تُحرّكه فينا، إبراهيم الكوني في كتاباته استدل بعظمة الصحراء أنها العراء الوحيد الذي لم يتدخل الإنسان فيه، لا أؤمن بهذا ولكنني أؤمن بأثر الصحراء، أرض الله التي تتغيّر وتصمد بأمره لا بدّ أن لها نصيبًا أكبر من السمو والتعالي عن غيرها من الأماكن، دون قصد تركت إبراهيم الكوني يتولّى مهمة الدليل والمُرشد لي، ولا أُخفي إعجابي بأثر الصحراء الجمّ عليه، طفل ولد في الصحراء، ضاع فيها، وحين بلغ الثانية عشرة انتقل للعيش خارجها، لكنها دفنَت سرّها في روحه، يكتب عنها وكأن الله أودع فيها نقاءً يُرشد التائه إليه. كأنها ترفض الرحيل عمن يأتي إليها بحثًا عن إجابة صافية لكل أسئلته.
“استطاعت الصحراء أن تُشعل في نفسي، ككائن هش، حديث العهد بالأُحجية الوجودية، سُعار الوَجد، طلبًا للأجوبة”
بهذه الخِفّة توجهت للصحراء، دون تكلّف في التفكير والتوقعات، ذهبت لأرى وأشعر وأستمع وأراقب كيف يبدو الإنسان حقيقيًا وعاريًا فيها أمام نفسه.
بدأت الرحلة من مزرعة بانجيا، تعرّفت على وجوه جديدة، أحدهم عرفت من سحنة وجهه وحياءِه الغالِب عليه وحديثه القليل العميق أنه يُغامر في الصحراء لأنها دواؤه في الدنيا، وآخر يدفعه للمكان أسلوب حياته فاغتنم الفرصة وصار عمله حياته، وآخر متعلّقٌ بقراءة النجوم وحياة البدو التي هي حياته ونشأته، وصبيّ من أهل الشمال في مُقتبل عمره يعمل لأنهم هكذا يولدون رجالًا، محترف في التصوير، ولو أعطى لنفسه الفرصة تمكّن وبَلغ مجده، وجوده زاد المكان أُلفة على الرغم من هدوئه، وشابة لا أنسى حضورها الهادئ المتزن واحترافيتها في العمل.
دلّني المرشد على كل مكان في المزرعة الصغيرة، أكثر ما أحببته شجرة زيتون سامِقة، اخترت الجلوس تحت أغصانها المتدلية، اخترتها لتكون شاهدة لحديث نفسي وتأملاتي وصمتي.
في الطريق لصحراء حسمى توهّجت روحي، اللون الأحمر بوداعته مُلقى على رمالها وجبالها، النجوم سقفٌ من لؤلؤ منثور في السماء، وأمامنا يومان مليئان بالتجارب، بدايةً من المشي والتعرّف على الآثار والنقوش، الركوب على الجِمال، القهوة، لا أتذكر كل التفاصيل غير أني استمتعت، بالرحلة والأصحاب.
سرقت بعض الأوقات للجلوس وحدي، واستيعاب كل هذا الصفاء والهدوء الذي لم أعتد عليه، ومُناي آنذاك لو كان باستطاعتي أن أحمل حسمى داخلي إلى الأبد، لآخذ منها جرعة أمان في الأيام الصعبة، نمت في الصحراء لأول مرة بعد تأمل النجوم، ولم أشعر بالخوف من العراء والظلام والغرباء، بل كانت من أحلى الليالي التي نمت فيها دون ابتلاع الحبوب المنوّمة. جلست صباحًا على تلٍّ رمليّ يُحيطني الصمت المهيب، في محاولة للتنقيب في الصحراء عن شيء، وكذلك جلست في وقت الغروب، شعرت لحظتها أن قلبي يرتجف، تلاشت كل الأفكار من رأسي وبقيت السكينة تحمل اعتقادًا راسخًا بأن الله لا يدفعني لشيء إلا لحكمة كتبها.
حجزت رحلة العودة بعد يومان، لكن الأيام لم تكن كافية، وبي صوت تشبّث بالمكان، صرخ في وجهي رغبةً في البقاء، قررت المبيت أيام أكثر في المزرعة، زرت مطلّ الغروب والحديقة السرية، مشيت في طريق يُظلِّلُه الشجر، تحدثت كثيرًا، وجلست تحت شجرة الزيتون أكثر من أي مكان، شربت المتة والقهوة والشاي، قرأت وكتبت وأودعتها أحلامي ودموعي، كانت الليالي ساكِنة ومرّت الأيام بتحنان ولُطف بالغَين.
عدت لمنزلي بعد أن ألقَت عليّ شمس الشمال سُمرة حلوة، وبقيَ في نفسي أثر من الصحراء، شعرت أن شيئًا داخلي بدأ يتغيّر، قدرة جديدة تتكوّن، كأنما كبرت فجأة، مثل يرقة تحوّلت لفراشة، مرّت بمراحل التحوّل الكامل وخرجت من روح صغيرة، أخرى أكثر كمالًا وجمالًا ووداعة، ربما آنذاك لم أُدرك كيف استقرّت روحي، وكيف بدأ الطريق يتضح كفاية لأعرف أي قرار أختاره لنفسي.
وبعد
سأتذكر دائمًا الصورة الأولى التي شرّعت هذا الباب لي، وبها دلّني الله على طريق ملؤه الوَجد والمحبة؛ لأتعلّم كيف أعيش وحدي، ربما أكون بارعة جدًا في رمسنة خُطاي وحياتي أو وهي كذلك، لا أعرف تمامًا ما الذي أثّر على الآخر، ولكن يظل الله حبيبي الأول والأخير هو الذي كتب كلّ شيءٍ وهو صاحب الفضل برحمته وعظمته وكرمه.



