• 2 | يوم اخترقت صورة الصحراء روحي

    حدث التغيير الأول في نظرتي لحياتي بعد أن أدركت انشغالي بحكايات الآخرين في التاريخ والأدب والسينما، تساءلت آنذاك من أكون في هذا الوجود؟ وما هي قصتي بين كل هذه القصص؟ وقررت أن أعيش حياتي بصدق وأكون فيها البطل والكاتب والمخرج، ولعلّ هذه المقدمة إيضاحًا لما سيأتي.

    وقعت بين يديّ أثناء العمل صورة لصحراء ممتدة وشمس هادئة تمنح كلّ شيء بريقه المستحق، غمرتني مشاعر دهشة وغرقت في بحر الجمال، ولأن إيماني عميق بحكمة الله في أصغر تفاصيل أقدارنا ظلّت الصورة خلفية عام كامل من حياتي، تأملتها في أيامٍ وليالٍ وانشغلت بها وبنفسي، كانت أشبه بمفتاح سرّي فتح لي بابَ الجمال على مصراعيه لأتعلم أن الفن الصادق يحرّك أعمق ما فينا، ولأدرك أن الجمال مُلقى في زوايا حياتنا تلتقط أثره العين المُبصرة.

    وفي هذا قرأت اقتباسًا من كتاب يُجيب فيه مجموعة من الروائيين الأسبان عن سبب كتابتهم للرواية، وأحدهم كتب “لاختراق روح القارئ”، وأدركت حينها أن الفن بكل أشكاله لديه قُدرة عجيبة على اختراق أرواحنا.

    بدأت أبحث عن الصحراء وكأن حواسّي لم تلتقطها أبدًا في الشعر والأغاني والكتب، يقول سيّد البيد في قصيدة عنوانها أنغامٌ من الصحراء:

    كنَّا نعيشُ الحبَّ في الصحراءْ
    وحْيٌ من السماءْ
    رسالةٌ فِطريَّةٌ
    أنشودةٌ عذراءْ
    لا نعرفُ الرسائل الملوّنةْ
    والكلمات الحلوة المدوّنةْ
    لا نعرف النفاقْ

    ولم نمارس اللهو بتهريب العواطفِ
    فالحبُّ عندنا انطلاقْ
    والعشقُ عندنا انتماءْ
    كموسمِ الرحيلْ
    كنسمةِ الصباحِ، كالأصيلْ
    كالماء، كالهواءْ

    في الصحراء كانت تدور في رأسي أفكار كثيرة من بينها أنني أكون أخف وأكثر وضوحًا، ويكون حدسي صادقًا حيال الوجوه التي تمرّ بي وحتى حيال نفسي، وهذا ما أفتقده في المُدن.

    الحبُّ فِي الصحراءْ
    حكايةٌ تطولْ
    وقصَّةٌ كثيرةُ الفصولْ
    تَروي عن الزمانْ
    متاعبَ الإنسانْ
    كفاحَهُ من أجلِ أنْ يَحيا الحياة
    صراعَهُ من أجلِ لُقمةٍ
    عزيزة المنالْ
    ممزوجة بحبَّات العرق
    وذرّات الرمالْ

    كان الشعر مدخلًا رقيقًا يزيد فضولي عن السرّ بين الإنسان والصحراء، كيف كانت مشاعرهم تفيض من مداد الرملِ وقيض الشمس، حتى تعرّفت على إبراهيم الكوني، الفيلسوف الأديب الليبي، العاشق الملتحم والمتيّم بالصحراء الكبرى التي ترعرع فيها بداية عمره، وظلّ يكتب عنها، مسرحه الأساسي وموضوعه الأهم وبطله الأبديّ، هذا الوفاء الأثير سحرًا لم أفهمه آنذاك، سحرًا أيقظ داخلي شعور بالفزع والتَّرقّب.

    قرأت عن الصحراء بلغة الكوني التي أعجز عن وصفها، ثمّ جاء ترتيب القدر وكانت “رحلة البدو في الصحراء” مع بانجيا في بجدة، تجربةٌ أختبر فيها مواجهة الصحراء، وأفهم شعور الإنسان المتيّم بها.

  • 1 | رحلة بدافع الحنين

    بعد أول زيارة لبجدة عام 2023 وضعت زيارتها الدورية في قائمة أمنيات العيش الهنيّ، لم آخذ وقتًا طويلًا فيها حتى نمَت محبتي الخالصة لها، كأنما خُلقت من رمالها، وكان الحب أجلّ ما أهديه مقابل ما أكرمتني به من الراحة والصفاء والأصدقاء.

    مرّ عامٌ تلو الآخر، وبقيَت بجدة في روحي وذاكرتي سلوى استأنس بها، شُغلت عنها في دوامة العيش، وكلّما تعبت سألت نفسي كيف تمرّ الأيام بهذه السرعة دون حساب وإدراك؟ في العام المنصرم تأججت حياتي المهنية عصفت بي وعشت تقلباتها الغريبة، صفعتني وصفعتها، أجهدتني حتى شعرت بالحنين يفيض لبجدة، كما حنّ درويش لخبز أمه، وكما أحن لأمي، فقررت ألا ينتهي العام دون زيارتها.

    خلال ثلاثة أشهر أغلقت الملفات العالقة، استقلت من عملي وحجزت رحلة الذهاب دون موعد محدد للعودة، روحي متعطّشة للصفاء والرمال والجبال والسماء والهدوء، ولا أعرف كم يومًا أحتاج لأرتوي.

    خيّم عليّ قلق ليلة السفر الغريب، غريب لأنني شخص بارد جدًا ولديّ حلول دائمًا ولا أحب اعتراضاته السخيفة عليّ؛ استحال القلق أرقًا، ولم أنم ليلة الرحلة حتى الثانية فجرًا، وضعت المنبه قبل الموعد بأربع ساعات، واستيقظت قبل الإقلاع بساعتين! مع ذلك تساءلت فورًا هل هذه رسالة تمنعني عن الرحلة؟ كنت خائفة أن يقسو عليّ قدري ولكن أمر الله من سعة، أقسمت لنفسي ألا أنام الليلة إلا في بجدة، قمت بواجباتي المنزلية بسرعة، لم أكتفِ بلمّ أكياس المهملات والتخلص من بقايا الأكل بل قررت أن أتحمم بسرعة، خلال ساعة استقلت سيارة، تلقّيت اتصالاً من الخطوط الجويّة يستفسر عن موقعي الآن ويطلب مني الاستعجال قبل فوات الرحلة، ولأول مرة جرّبت الركض في ساحة المطار، كنت في داخلي سعيدة بخوض هذه التجربة إذ لم أضطر في حياتي لهذا الركض من قبل، اتصل مرّة أخرى وطلب مني ترك حقيبتي لدى الأمانات، حاولت شحنها ولم استطع، كنت أشعر أن الدنيا كلها تركض في كل اتجاه، وفي رأسي الطائرة التي ستُقلع بدوني! اتصل للمرة الأخيرة بي واعتذرت منه.

    وقفت في مكاني أكرر في نفسي خلاص طارت، لأستوعب الفكرة، لم أتخيّل في حياتي أن تكون لي تجربة مع فوات الرحلات، كانت الفرصة مناسبة جدًا للبكاء، هل كانت رسالة إلهية للعودة إلى المنزل والبحث عن عمل أم اختبار لإصراري؟ فتحت هاتفي وحجزت أقرب رحلة بعد ست ساعات، مضى الوقت ببطء لم أشهده من قبل، تمشّيت في المطار، قرأت، تحدّثت مع غرباء، ولم أهدأ حتى ركبت الطائرة.

    “تشعر الطيور بشيء أقرب إلى الألم والخوف قبل الهجرة مباشرة، ولا شيء يخفف من هذا الشعور سوى التحليق.”

    12 ديسمبر 2025

  • رائحة العُشب النديّة

    في كل يوم تشهد الغروب تتبدّل شخصيتها بوضوح. امرأة غارقة في صراعات العمل تتجمد حين تُلقي الشمس حبالها الأخيرة من نافذة المكتب، ما إن تراها حتى تحمل حقيبتها بهدوء وتسير باتجاه الشمس، يسقط منها عبء العيش في الطريق، تتخفف من كل شيء، ولا ترى أمامها سوى هذا النور الأثير ملقى على وجهها، وعلى الطريق، والسيارات والبنايات، لا تُفكر بشيء سوى المشي باتجاه الغروب وتأمل هذا الطريق.

    مع غياب الشمس تصل إلى الحديقة، تنزع حذاءها تمشي على العشب، تسير وتدور في نفس الدائرة تلمس النخيل، تقفز لتهز أغصان الشجر وتضحك، تلقي بنظرتها على هذا المدى الصغير فيخفت صوت الشارع القريب، تستلقي على العشب، يذوب جسدها فيه، تمد يديها، تستنشق رائحته حتى يسقط الندى مطرًا من عينيها.