• “من قال لا في وجه من قالوا نعم”

    تحرّيات قبل أن يوشك الحريق على الاندلاع

    واحدة من الخطوات التي اتّبعتها مؤخرًا يوم الخميس؛ عدّ المهام التي أنجزتها خلال الأسبوع كمسرّات صغيرة تُذكّرني بما حققته، وإعداد قائمة بما عليّ إنجازه أو البدء بالعمل عليه في الأسبوع القادم، ولا أعرف كيف انتهى الخميس الفائت وأنا في حالة صدمة إثر استقبال مهمّة جديدة نهاية اليوم لم تكن في الحِسبان، وبعيدًا عن حجمها ومدى أهميتها، إلا أن مزاجي وطاقتي كانا خارج نطاق الخدمة تمامًا، شعرت بعجز عن القيام بأي رد فعل، حالة تشبه اللحظة الأولى للاستيقاظ حين يحتاج المرء لساعتين على الأقل حتى يسترجع هويّته ومكانه ودوره في المجتمع ويستوعب كامل قصته، فلا يطيق آنذاك الحديث مع أحد ولا الاستماع لأحد، قررت أن أتوقف، وحين لاحظت جارتي في المكتب هول الصدمة على وجهي، لم تتردد في تقديم مساعدتها لي وتهوينها الأمر عليّ، ربما شعرت بخيبة تجاه نفسي لأنني أحب أداء مهامي على أتم وجه، وأكره حين لا يسعفني الوقت ولا تمتد طاقتي للقيام بكل ما يُطلب مني، ولكن كما يقول الجواهري أهذه صخرة أم هذه كبد؟! مهما حاولت فأنا كاتبة، ولست واحدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

    خرجت مسرعة إلى المنزل، ورافقني الصداع طوال اليوم، وفي محاولة لاستفتاح نهاية الأسبوع التقيت بصديقة في مقهى، ثم رحلَت وبقيت وحدي أحاول كتابة أي شيء يخطر في ذهني، لعلّي أفهم الحالة والعجز الذي شعرت به حتى نسيت أهم ما أنجزته خلال الأسبوع، لقد كتبت مقالة كان موضوعها هاجسٌ يتردد علي طوال عامين، أنجزتها بصورة تُلائم النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ليست موسّعة كما رغبت لكنني أحبها بأي شكلٍ كانت، وبأي طريقة رأت النور عبرها.

    تسلل إلى ذهني سؤال عمّا إن كان هذا الشعور من بوادر الاحتراق الوظيفي؟ أو شيء يقود إليه! حاولت استرجاع مشاعري في الأيام المهنية الصعبة وتذكّر شكل هذه المتلازمة، خلال سبعة أعوام في سوق العمل مررت بتجارب كثيرة، عملت في أيام متواصلة، أعرف الطعم المرّ للانهيارات المهنية، للمواجهات الصعبة، إلا أنني أقف الآن ولا أتذكر من كدَر الأيام شيئًا، وهذه من نِعَم الله وأفضاله الكبيرة الكثيرة علينا، حين يكتب لنا التجارب لتربّينا ثم بقدرته يُنسينا مُرّها، ربما أيضًا لأن جلّ اهتمامي الحقيقي طوال مسيرتي المهنية مُنصب نحو العمل والإنجاز وما يجب أن أتعلمه خارج سياق كل شيء.

    في محرّك البحث بدأت أقرأ عن الاحتراق الوظيفي، وفي الملاحظات بدأت أكتب ما يدور في ذهني.

    عادت ذاكرتي لمشهد قديم، حين كنت طفلة اعتدت على نسخ كتب أختي الجامعية آنذاك، وتخيلت نفسي كاتبة حين أكبر منشغلة بالورقة والقلم، مع أن إجابتي على سؤال ماذا ستصبحين إذا كبرتي؟ مُختلفة تماماً، فقد أحببت الرياضيات أكثر من القراءة، وكُنت أجيد التعبير وأحسبه مهارة أُمارسها لأغراض شخصية، وفضّلت المسار العلمي على الأدبي، وظننت أنني سأكون إما معلمة أو طبيبة، وكرهت دراسة اللغة والأدب، ولكن حين كبرت عرفت قيمة اللغة العربية على وجه الخصوص وتبدّل رأيي.

    وأنا أتذكر كل هذا أحببت قدري أكثر وعرفت لماذا أحب عملي، ولماذا بدأت أتذكر كل هذا، ربما ليكبر فيّ الامتنان وأرى التحديات بعين تتجاوز المهم للأهم، فحين ساق الله لخيالي تلك الصورة وأنا طفلة، قدّر لي العمل في هذا الحقل، لذا أعتقد أن حياتي تشبه لعبة البازل، لا شيء يحدث صدفة، وكل شيء يقود إلى شيء آخر، ويرتبط به. 

    أكملت البحث عن الاحتراق الوظيفي، وقرأت ما يزيد عن عشرين مقالة بعضها تحليلات نفسية، وأخرى عن تجارب شخصية، وآخر لفتتني لأمور لم أفكر بها من قبل، على سبيل المثال كتبت إيمان أسعد مقالة على بعنوان “هل وزنت الوقت الذي تهدره في توافه الوظيفة؟” باختصار تحدثت عن المهام التي تأكل وقتنا دون طائل إنتاجي منها، كأن ننجز مهمة عن موظف آخر بدل أن نتركه يتعلّمها بنفسه أو نرشده لتعلّمها، أو أن نصحح عن المصحح التلقائي، تبدو مسألة سخيفة في بادئ الأمر، ولكنها قد تأخذ من ساعات العمل في كل يوم ما يوازي الساعة أو الساعة والنصف، وهذا الوقت أحق أن نقضيه في إنجاز المهام المخوّلة إلينا.

    وتقول شذى محمد في نشرة لها عن أهمية مشاركة زملاء العمل التحديات التي تواجهنا وذكرت بأنها حين أدى انغماسها في العمل إلى تفويت مواعيد الوجبات الأساسية لم تفعل شيئاً في البداية، حتى وصل الأمر مداه، وقررت إشراك زملائها بالتحديات التي تواجهها، فلفتت انتباههم وتلقت المساعدة التي تحتاج إليها، وهكذا ببساطة أنقذت نفسها من متلازمة قد يمتد أثرها على جودة حياتها وإنتاجها المهني.

    وفي دراسة أُجريت على عدد من موظفي قطاع التقنية في الصين عام 2025، أكدت بأن الاحتراق الوظيفي ليس مجرّد ضغط عمل بل استنزاف نفسي وعاطفي مستمر، والمثير أنها وصفت مهارة “إدارة المشاعر والقدرة على ضبطها أو ما يسمى بالكفاءة الذاتية لتنظيم المشاعر” بحاجز نفسي يحول دون تحوّل ضغط العمل إلى احتراق وظيفي، إذ يمتاز هؤلاء الأشخاص بالقدرة على التحكم بمشاعرهم تحت الضغط وإعادة تفسير المواقف السلبية ما يُساعدهم على الحد من أثر البيئات السامة عليهم، وبالتالي صلابة نفسية تؤدي إلى النجاة، وأكدت الدراسة أيضاً بأن هذا لا يجعل الاحتراق نتيجة لضعف الموظف بل هو نتيجة لثقافة بيئة العمل، والمهارة أعلاه تساعد على التعامل مع ضغط العمل، ورؤية المصاعب كتحديات مُحفزة للإنجاز.

    ما استنتجته في نهاية الأمر أن ما حدث معي حالة طبيعية نتجت عن مواجهة لشيء غير متوقع، لو لم تستوقفني لقادتني إلى حيث يندلع الحريق، وأدركت بعد البحث أنها كانت فرصة لاكتشاف متلازمة بعين الباحِث لا بعين المُجرّب كما العادة، متلازمة يختلف وقوعنا فيها باختلاف زوايا رؤيتنا، وعرفت عبرها أن الامتنان للمعنى الصادق أجلّ ما نتحلّى به، والشجاعة لمن “قال لا في وجه من قالوا نعم” ولكن في الوقت الصحيح والموقف المُناسب.

  • “مطر نيسان يحيي قلب الإنسان”

    أجلس على مكتبي أمام النافذة المطلة على زخات المطر، بعد أن لمحت اجتماع الغيوم لساعات ثم تلبّدها وتغيّر لونها، وأخيرًا اللحظة الأولى لهطول المطر، سقط بكثافة مهيبة وقوّة لافتة كأنها بداية سيمفونية تقبض على أنفاسك وتأخذك بسحرها فلا تسمع غيرها، وهل أشهى للأذن من وقع المطر على الأرض؟ وبهذا أعتقد أن الرياض في نيسان تغدو حنونة وتحاول تبرير قسوتها بربيعٍ ليس لنا منه إلا المطر.

    أما ذاكرتي فقد قررت استرجاع مشهد من مسلسل الفصول الأربعة لماجدة أو (مَقدة) وهي تقول: لك هَي مطرة نيسان بتحيي قلب الإنسان. وهنا اختلط الحنين علي لكل شيء، لمطر الربيع في الوديان والجبال وللطفلة المبللة، ولمشهد اللعب مع خالي تحت المطر – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- وحتى لسوريا التي لم أزرها بعد. مقدة امرأة مُتلبّكة تحب أن تعطي اللحظة قيمتها إلا أن حياتها تقف ضد رغباتها الصادقة، في المشهد ذاته يُجيبها نجيب زوجها الهارب من المطر بتنبؤات الأرصاد الجوية التي توقعت هذا، ويطول حديثه عن الطقس كأنما لم تلفته العبارة الرقيقة ولا زوجته المبللة والسعيدة تحت المطر، تتحوّل سعادتها الغامرة إلى شيء يشبه النحيب واليأس، تختلط دموعها بماء المطر ولا يأبه، امرأة تشتهي ملء حياتها بالمحبة فقط، تظل تبحث عن سبب منطقي لحب زوجها بعد مرور السنوات، حين تسقط أقنعة البدايات وتطفو عاديّة المرء على السطح. المستفاد من القصة ربما أن الفعل وحده لا يروي الاحتياجات العاطفية لدى النساء، بل الحب هو الفعل والكلمة والشعور والتعبير بكل الحواس.

    وأنا مثل نجيب في نيسان أحيانًا، أحاول إيجاد المنطق في فوضى حياتي وأنا أعيد ترتيبها من جديد بكامل جديّتي، فأنسى جمال اللحظة، حين نزل المطر أول مرة فَضّلت مراقبته من النافذة حتى لا أفوّت موعد النوم، فيترتب على ذلك الاستيقاظ المتأخر والسقوط في بئر البؤس وجلد الذات، ثم برحمة الله نزل المطر في أيامٍ أُخَر وتبللت به كما أشتهي.

    بعد العيد حين تهدأ الأجواء الاجتماعية أنسى طريقة أيامي قبل ذلك، تمامًا تشبه الحالة نكتة نسيان مهام العمل بعد انقضاء الإجازة، الشيء الوحيد الذي لم أنسَه هو الذهاب إلى العمل وإنجاز المهام، تختفي دوافعي التي أعرفها يقيناً وأبقى في هدوء هاربة من كل شيء استجمع أفكاري وأحاول استذكار طريقتي في العيش او لعلي أخلق طُرق أخرى.

    كان الحل أمامي ولكن تركت نفسي على هواها طوال شهر، حين وجدت نفسي خاليه من الدوافع لفعل أي شي لم أركض ولم ينتابني الهلع بل توقعت أنه عارض علاجه النوم المبكر، كل شيء بعد هذا سيأخذ موقعه الطبيعي، وبالفعل كأنما يحمل لي الصباح مفتاحًا سحريًا لتحريك دوافعي الشخصية وإعادة الحياة لمجراها الطبيعي، وما ساعدني على إعادة ضبط الروتين وتحديد الأولويات أنني في مطلع العام رتبت لنفسي خطة شخصية مكتوبة وفصلتها على أهداف أصغر أنجزها في كل ربع سنة وأُتابعها نهاية كل شهر، لم أنجز كثيرًا لكنني عشت أيام هادئة، حاولت بقدر استطاعتي في البداية التخلص من الحنين لبيت الجد ثم ركضت في العمل واعتذرت كثيرًا من كل المقابلات والخروجات لأن طاقتي المحدودة ما كانت تحتمل أي شيء، وبهذا أعتقد أنني مستعدة لبداية الشهر القادم بلستة مهام وقراءات وأمنيات جديدة.

  • 3 | طريقٌ من الوَجد

    الرحلة الأولى لصحراء حسمى 2023

    بعد الشهر الأول من الغرق في صورة ظافر للصحراء، عثرت على رحلة عنوانها “تجربة البدو في الصحراء”، ولأنني لا أعبث مع القدر لملمت حقيبتي وقررت خوض التجربة.

    سرنا في الطريق من المطار، جبال وصحراء تتدرج ألوانها بين الأحمر والأصفر، السائق في ريعان شبابه، اختار مهنته الثانوية هربًا من الملل وربما ليدلّ الناس على ثراء مدينته ويتحدث مع الغرباء، انساب الحديث بيننا عن كلّ شيء، عن حالة المدينة وتضاريسها، عن المجتمع والقضايا العربية، كان مبتهجًا ومتعجبًا من حماستي للتجربة، وحين أخبرته أنني لم أزر البحر منذ مدة طويلة قرر أن يأخذني إليه.

    اقتربنا من أعشاش خضراء ممتدة، قصيرة ذات خُضرة يانِعة ومُشرقة، تُزاحمها نباتاتٌ يابسة، كانت المفاجأة أزرق البحر بعد كل هذه الخُضرة، صرخة آه واحدة ما كانت كافية للتعبير عن غرقي في الجمال، هناك زرعت أول بذرة محبة في قلبي للشمال، ولا أزال أتذكرها حتى الآن بعد مرور سنوات، بالتأكيد عشت في المشهد بكامل حواسّي وإلا كيف لذاكرتي أن تُعيده عليّ حتى الآن!

    حين كبرت صارت ذاكرتي حنونة، شهيّتها مفتوحة لتقسيم الأحداث التي أعيشها، بين هامش يبتلع كل شيء غير مهم وكاذب، وصندوق صغير يلملم اللحظات الصادقة والحقيقية، معظمها جيّد ودافئ ومؤثر والقليل منها سيء ولكن لا ينبغي عليّ نسيانه، وجوده لا يسوؤني بل يمنحني القوّة والحذر.

    نزعت الحذاء، مشيت على الشاطئ، بين البحر واليابسة، ماء بارد ورمال خشنة، وشمس تسيل خيوطها من السماء، مُشعّة لا تحرق الأشياء، بل تمنحها دفئًا وبريقًا منعشًا، وقد نلت نصيبي منها، استشعرت هذا الدفء في قلبي، وتركت في البحر أناي القديمة، تلك الصبيّة التي ظلّت تركض للمجهول ما عاد الركض يُغريها ولا التوقف يُرعبها، انسالت مني تراكمات العيش، وصرت أنقى وأقدر لمواجهة الصحراء.

    ليس هناك دليل إرشادي يُعلّمنا كيف نكون في الصحراء، أو كيف نلتقي بها، ولا حتى كيف نستمع للصوت الذي تُحرّكه فينا، إبراهيم الكوني في كتاباته استدل بعظمة الصحراء أنها العراء الوحيد الذي لم يتدخل الإنسان فيه، لا أؤمن بهذا ولكنني أؤمن بأثر الصحراء، أرض الله التي تتغيّر وتصمد بأمره لا بدّ أن لها نصيبًا أكبر من السمو والتعالي عن غيرها من الأماكن، دون قصد تركت إبراهيم الكوني يتولّى مهمة الدليل والمُرشد لي، ولا أُخفي إعجابي بأثر الصحراء الجمّ عليه، طفل ولد في الصحراء، ضاع فيها، وحين بلغ الثانية عشرة انتقل للعيش خارجها، لكنها دفنَت سرّها في روحه، يكتب عنها وكأن الله أودع فيها نقاءً يُرشد التائه إليه. كأنها ترفض الرحيل عمن يأتي إليها بحثًا عن إجابة صافية لكل أسئلته.

    “استطاعت الصحراء أن تُشعل في نفسي، ككائن هش، حديث العهد بالأُحجية الوجودية، سُعار الوَجد، طلبًا للأجوبة”

    بهذه الخِفّة توجهت للصحراء، دون تكلّف في التفكير والتوقعات، ذهبت لأرى وأشعر وأستمع وأراقب كيف يبدو الإنسان حقيقيًا وعاريًا فيها أمام نفسه.

    بدأت الرحلة من مزرعة بانجيا، تعرّفت على وجوه جديدة، أحدهم عرفت من سحنة وجهه وحياءِه الغالِب عليه وحديثه القليل العميق أنه يُغامر في الصحراء لأنها دواؤه في الدنيا، وآخر يدفعه للمكان أسلوب حياته فاغتنم الفرصة وصار عمله حياته، وآخر متعلّقٌ بقراءة النجوم وحياة البدو التي هي حياته ونشأته، وصبيّ من أهل الشمال في مُقتبل عمره يعمل لأنهم هكذا يولدون رجالًا، محترف في التصوير، ولو أعطى لنفسه الفرصة تمكّن وبَلغ مجده، وجوده زاد المكان أُلفة على الرغم من هدوئه، وشابة لا أنسى حضورها الهادئ المتزن واحترافيتها في العمل.

    دلّني المرشد على كل مكان في المزرعة الصغيرة، أكثر ما أحببته شجرة زيتون سامِقة، اخترت الجلوس تحت أغصانها المتدلية، اخترتها لتكون شاهدة لحديث نفسي وتأملاتي وصمتي.

    في الطريق لصحراء حسمى توهّجت روحي، اللون الأحمر بوداعته مُلقى على رمالها وجبالها، النجوم سقفٌ من لؤلؤ منثور في السماء، وأمامنا يومان مليئان بالتجارب، بدايةً من المشي والتعرّف على الآثار والنقوش، الركوب على الجِمال، القهوة، لا أتذكر كل التفاصيل غير أني استمتعت، بالرحلة والأصحاب.

    سرقت بعض الأوقات للجلوس وحدي، واستيعاب كل هذا الصفاء والهدوء الذي لم أعتد عليه، ومُناي آنذاك لو كان باستطاعتي أن أحمل حسمى داخلي إلى الأبد، لآخذ منها جرعة أمان في الأيام الصعبة، نمت في الصحراء لأول مرة بعد تأمل النجوم، ولم أشعر بالخوف من العراء والظلام والغرباء، بل كانت من أحلى الليالي التي نمت فيها دون ابتلاع الحبوب المنوّمة. جلست صباحًا على تلٍّ رمليّ يُحيطني الصمت المهيب، في محاولة للتنقيب في الصحراء عن شيء، وكذلك جلست في وقت الغروب، شعرت لحظتها أن قلبي يرتجف، تلاشت كل الأفكار من رأسي وبقيت السكينة تحمل اعتقادًا راسخًا بأن الله لا يدفعني لشيء إلا لحكمة كتبها.

    حجزت رحلة العودة بعد يومان، لكن الأيام لم تكن كافية، وبي صوت تشبّث بالمكان، صرخ في وجهي رغبةً في البقاء، قررت المبيت أيام أكثر في المزرعة، زرت مطلّ الغروب والحديقة السرية، مشيت في طريق يُظلِّلُه الشجر، تحدثت كثيرًا، وجلست تحت شجرة الزيتون أكثر من أي مكان، شربت المتة والقهوة والشاي، قرأت وكتبت وأودعتها أحلامي ودموعي، كانت الليالي ساكِنة ومرّت الأيام بتحنان ولُطف بالغَين.

    عدت لمنزلي بعد أن ألقَت عليّ شمس الشمال سُمرة حلوة، وبقيَ في نفسي أثر من الصحراء، شعرت أن شيئًا داخلي بدأ يتغيّر، قدرة جديدة تتكوّن، كأنما كبرت فجأة، مثل يرقة تحوّلت لفراشة، مرّت بمراحل التحوّل الكامل وخرجت من روح صغيرة، أخرى أكثر كمالًا وجمالًا ووداعة، ربما آنذاك لم أُدرك كيف استقرّت روحي، وكيف بدأ الطريق يتضح كفاية لأعرف أي قرار أختاره لنفسي.

    وبعد

    سأتذكر دائمًا الصورة الأولى التي شرّعت هذا الباب لي، وبها دلّني الله على طريق ملؤه الوَجد والمحبة؛ لأتعلّم كيف أعيش وحدي، ربما أكون بارعة جدًا في رمسنة خُطاي وحياتي أو وهي كذلك، لا أعرف تمامًا ما الذي أثّر على الآخر، ولكن يظل الله حبيبي الأول والأخير هو الذي كتب كلّ شيءٍ وهو صاحب الفضل برحمته وعظمته وكرمه.

  • 2 | يوم اخترقت صورة الصحراء روحي

    حدث التغيير الأول في نظرتي لحياتي بعد أن أدركت انشغالي بحكايات الآخرين في التاريخ والأدب والسينما، تساءلت آنذاك من أكون في هذا الوجود؟ وما هي قصتي بين كل هذه القصص؟ وقررت أن أعيش حياتي بصدق وأكون فيها البطل والكاتب والمخرج، ولعلّ هذه المقدمة إيضاحًا لما سيأتي.

    وقعت بين يديّ أثناء العمل صورة لصحراء ممتدة وشمس هادئة تمنح كلّ شيء بريقه المستحق، غمرتني مشاعر دهشة وغرقت في بحر الجمال، ولأن إيماني عميق بحكمة الله في أصغر تفاصيل أقدارنا ظلّت الصورة خلفية عام كامل من حياتي، تأملتها في أيامٍ وليالٍ وانشغلت بها وبنفسي، كانت أشبه بمفتاح سرّي فتح لي بابَ الجمال على مصراعيه لأتعلم أن الفن الصادق يحرّك أعمق ما فينا، ولأدرك أن الجمال مُلقى في زوايا حياتنا تلتقط أثره العين المُبصرة.

    وفي هذا قرأت اقتباسًا من كتاب يُجيب فيه مجموعة من الروائيين الأسبان عن سبب كتابتهم للرواية، وأحدهم كتب “لاختراق روح القارئ”، وأدركت حينها أن الفن بكل أشكاله لديه قُدرة عجيبة على اختراق أرواحنا.

    بدأت أبحث عن الصحراء وكأن حواسّي لم تلتقطها أبدًا في الشعر والأغاني والكتب، يقول سيّد البيد في قصيدة عنوانها أنغامٌ من الصحراء:

    كنَّا نعيشُ الحبَّ في الصحراءْ
    وحْيٌ من السماءْ
    رسالةٌ فِطريَّةٌ
    أنشودةٌ عذراءْ
    لا نعرفُ الرسائل الملوّنةْ
    والكلمات الحلوة المدوّنةْ
    لا نعرف النفاقْ

    ولم نمارس اللهو بتهريب العواطفِ
    فالحبُّ عندنا انطلاقْ
    والعشقُ عندنا انتماءْ
    كموسمِ الرحيلْ
    كنسمةِ الصباحِ، كالأصيلْ
    كالماء، كالهواءْ

    في الصحراء كانت تدور في رأسي أفكار كثيرة من بينها أنني أكون أخف وأكثر وضوحًا، ويكون حدسي صادقًا حيال الوجوه التي تمرّ بي وحتى حيال نفسي، وهذا ما أفتقده في المُدن.

    الحبُّ فِي الصحراءْ
    حكايةٌ تطولْ
    وقصَّةٌ كثيرةُ الفصولْ
    تَروي عن الزمانْ
    متاعبَ الإنسانْ
    كفاحَهُ من أجلِ أنْ يَحيا الحياة
    صراعَهُ من أجلِ لُقمةٍ
    عزيزة المنالْ
    ممزوجة بحبَّات العرق
    وذرّات الرمالْ

    كان الشعر مدخلًا رقيقًا يزيد فضولي عن السرّ بين الإنسان والصحراء، كيف كانت مشاعرهم تفيض من مداد الرملِ وقيض الشمس، حتى تعرّفت على إبراهيم الكوني، الفيلسوف الأديب الليبي، العاشق الملتحم والمتيّم بالصحراء الكبرى التي ترعرع فيها بداية عمره، وظلّ يكتب عنها، مسرحه الأساسي وموضوعه الأهم وبطله الأبديّ، هذا الوفاء الأثير سحرًا لم أفهمه آنذاك، سحرًا أيقظ داخلي شعور بالفزع والتَّرقّب.

    قرأت عن الصحراء بلغة الكوني التي أعجز عن وصفها، ثمّ جاء ترتيب القدر وكانت “رحلة البدو في الصحراء” مع بانجيا في بجدة، تجربةٌ أختبر فيها مواجهة الصحراء، وأفهم شعور الإنسان المتيّم بها.

  • 1 | رحلة بدافع الحنين

    بعد أول زيارة لبجدة عام 2023 وضعت زيارتها الدورية في قائمة أمنيات العيش الهنيّ، لم آخذ وقتًا طويلًا فيها حتى نمَت محبتي الخالصة لها، كأنما خُلقت من رمالها، وكان الحب أجلّ ما أهديه مقابل ما أكرمتني به من الراحة والصفاء والأصدقاء.

    مرّ عامٌ تلو الآخر، وبقيَت بجدة في روحي وذاكرتي سلوى استأنس بها، شُغلت عنها في دوامة العيش، وكلّما تعبت سألت نفسي كيف تمرّ الأيام بهذه السرعة دون حساب وإدراك؟ في العام المنصرم تأججت حياتي المهنية عصفت بي وعشت تقلباتها الغريبة، صفعتني وصفعتها، أجهدتني حتى شعرت بالحنين يفيض لبجدة، كما حنّ درويش لخبز أمه، وكما أحن لأمي، فقررت ألا ينتهي العام دون زيارتها.

    خلال ثلاثة أشهر أغلقت الملفات العالقة، استقلت من عملي وحجزت رحلة الذهاب دون موعد محدد للعودة، روحي متعطّشة للصفاء والرمال والجبال والسماء والهدوء، ولا أعرف كم يومًا أحتاج لأرتوي.

    خيّم عليّ قلق ليلة السفر الغريب، غريب لأنني شخص بارد جدًا ولديّ حلول دائمًا ولا أحب اعتراضاته السخيفة عليّ؛ استحال القلق أرقًا، ولم أنم ليلة الرحلة حتى الثانية فجرًا، وضعت المنبه قبل الموعد بأربع ساعات، واستيقظت قبل الإقلاع بساعتين! مع ذلك تساءلت فورًا هل هذه رسالة تمنعني عن الرحلة؟ كنت خائفة أن يقسو عليّ قدري ولكن أمر الله من سعة، أقسمت لنفسي ألا أنام الليلة إلا في بجدة، قمت بواجباتي المنزلية بسرعة، لم أكتفِ بلمّ أكياس المهملات والتخلص من بقايا الأكل بل قررت أن أتحمم بسرعة، خلال ساعة استقلت سيارة، تلقّيت اتصالاً من الخطوط الجويّة يستفسر عن موقعي الآن ويطلب مني الاستعجال قبل فوات الرحلة، ولأول مرة جرّبت الركض في ساحة المطار، كنت في داخلي سعيدة بخوض هذه التجربة إذ لم أضطر في حياتي لهذا الركض من قبل، اتصل مرّة أخرى وطلب مني ترك حقيبتي لدى الأمانات، حاولت شحنها ولم استطع، كنت أشعر أن الدنيا كلها تركض في كل اتجاه، وفي رأسي الطائرة التي ستُقلع بدوني! اتصل للمرة الأخيرة بي واعتذرت منه.

    وقفت في مكاني أكرر في نفسي خلاص طارت، لأستوعب الفكرة، لم أتخيّل في حياتي أن تكون لي تجربة مع فوات الرحلات، كانت الفرصة مناسبة جدًا للبكاء، هل كانت رسالة إلهية للعودة إلى المنزل والبحث عن عمل أم اختبار لإصراري؟ فتحت هاتفي وحجزت أقرب رحلة بعد ست ساعات، مضى الوقت ببطء لم أشهده من قبل، تمشّيت في المطار، قرأت، تحدّثت مع غرباء، ولم أهدأ حتى ركبت الطائرة.

    “تشعر الطيور بشيء أقرب إلى الألم والخوف قبل الهجرة مباشرة، ولا شيء يخفف من هذا الشعور سوى التحليق.”

    12 ديسمبر 2025

  • رائحة العُشب النديّة

    في كل يوم تشهد الغروب تتبدّل شخصيتها بوضوح. امرأة غارقة في صراعات العمل تتجمد حين تُلقي الشمس حبالها الأخيرة من نافذة المكتب، ما إن تراها حتى تحمل حقيبتها بهدوء وتسير باتجاه الشمس، يسقط منها عبء العيش في الطريق، تتخفف من كل شيء، ولا ترى أمامها سوى هذا النور الأثير ملقى على وجهها، وعلى الطريق، والسيارات والبنايات، لا تُفكر بشيء سوى المشي باتجاه الغروب وتأمل هذا الطريق.

    مع غياب الشمس تصل إلى الحديقة، تنزع حذاءها تمشي على العشب، تسير وتدور في نفس الدائرة تلمس النخيل، تقفز لتهز أغصان الشجر وتضحك، تلقي بنظرتها على هذا المدى الصغير فيخفت صوت الشارع القريب، تستلقي على العشب، يذوب جسدها فيه، تمد يديها، تستنشق رائحته حتى يسقط الندى مطرًا من عينيها.