من تلك الأيام التي تنكمش فيها رغبات العيش والأحلام ويهدأ توهجنا المعتاد ونشعر فيها بالذبول، بدأت هذا اليوم لا أشتهي سوى الوصول إلى نهايته بالسلامة، وطالما أنه في حساب أيامي وعمري، فلا مفرّ من أن أجرّ فيه خطاي وأتغاضى عن رغبة الاستسلام الملحّة للنوم.
وجبة إفطار سريعة، حشوت قطعًا صغيرة من رغيف الخبز العربي بالبيض المقلي مع تبولة حضرتها قبل يوم ومسحة من صلصة الريحان وشاي الزهورات المخلوطة بالمتة، وبعد الشّبع ظننت أن وجهي العَبوس سيتغيّر لكنه لم.
ذهبت إلى العمل ونسيت أن أشرب القهوة في المنزل، وفي الطريق تسلّيت بالذكر وتعداد النِّعم الكثيرة حتى أراوغ هذه الكآبة وأُدلِّلها، جلست ساعات في المكتب دون أن أشعر، كل ما أفعله رد السلام والابتسامة على مضض، ويعلم الله كم حاولت أن أخبئ وجهي خلف الحاسوب فلا أرى ولا أُرى، لكنني على عكس المتوقع أنهيت مهامًا عاجلة، ولا أعرف لماذا يرفعون درجة التكييف في المكتب حتى أشعر بالبرد ينخر عظامي، وأنا لست من حزب الشكّائين لذلك لم أُطالب بتغيير درجة الحرارة إذ لابد أن آخذ معي قطعة صوف ولن أنساها غدًا بعد هذا اليوم، الفرق شاسع بين الأجواء الباردة في الشتاء والبرد اللاذع في البنايات المغلقة، وأعتقد تمامًا أن الثانية تجلب الأمراض.
حاولت فعل شيء، التدوين أو القراءة أو حتى الاستماع إلى درس مُفيد، ولم أفلح، مقالات كثيرة قلّبتها ولم استطع قراءتها، كأنما أصابت البلادة عقلي، بكل بساطة لا أريد فعل شيء، في ساعات العمل الأخيرة وفي محاولة لتمضية الوقت والتدفئة مشيت في الأسياب، وحين عدت قررت إعداد قائمة لوجبات الشهر، سألت زميلاتي عن الأطباق الشهيّة التي تحضّرها أمهاتهن وحصلت على أصناف متنوّعة تبدو شهيّة، وتذكرت واحدة من ألذ الأصناف التي تعلّمتها صينية الأرز بالزهرة، تعلّمتها من أم زميلتي في عملٍ سابق، وفي نهاية اليوم شعرت برغبة مُلحّة للذهاب إلى سوريا.
كلما اهتز وجداني أو استقر يهب عليّ الشجن وتخطف سوريا فكري، وكم تجرحني رغبة الذهاب إليها وموعدنا مؤجل، لا أعرف آلآن أم بعد شهر أو سنة، رغبة الذهاب إلى سوريا تشبه رغبة العودة إلى المنزل بعد العمل. عدت كما ذهبت وقد كان اليوم طويلاً انقضى بحول الله وتحت رعايته، أرتمي على السرير أتأمل الشمس بسطوعها الأخير الباهت على المكتبة، وفيروز تصدح بصوتها الغنّاء
“احكيلي احكيلي عن بلدي احكيلي .. يا نسيم اللي مارق عالشجر مقابيلي..”
“بيقولو صغيّر بلدي.. بالغضب مسوّر بلدي … الكرامة غضب، المحبة غضب، والغضب الأحلى بلدي”
فكّرت أن أخبز كيكة فانيلا هشّة، أشعلت الفرن ثم تلاشت رغبتي بسرعة فأعدت كل شيء لمكانه، وفكّرت أن أتعلم أصنافًا سورية لم أتعلمها بعد، وضعت قائمة بأصناف اشتقت إلى طهيها. في مثل هذه الأيام أحب مجاراة نفسي والترفّق بها، وحتى إن حاولت تأنيبها على شيء أعرف أنها تبذل قصارى جهدها في مواجهة تقلّبات غير متوقعة، وحين ينتهي اليوم أعرف تمامًا أنني في الغد سأنجو ويتغيّر حالي للأفضل.
انتهى اليوم بعد أحاديث عشوائية مع رفيقتي، حدثتها عن علاقتي مع سوريا ولا أزال غير قادرة على تفسير ما في نفسي إلا أنه الولَع الذي يطبعه الله في قلوبنا فلا مفرّ منه، وسوريا ليست في ذاكرتي منذ الطفولة ولست أحبها بتلك الرومنسية المطلقة التي تنشأ من الدراما السورية العظيمة، بل هي تناقضاتٌ عدّة بين الجمال والقبح، الأمل واليأس، أحببتها كثيرًا وكرهتها أكثر، وفي آخر المطاف تتجلّى بكل ما فيها من مآسٍ وبتاريخها القديم لتكون وجهتي الأولى الأحب والأرق.






