• مع شيخة الكار في عمّان

    قضينا يومان وليلة في عمّان، ورغم أنف الحقيقة والواقع المرير الذي كان يصفعها مرّة ويلطمني مرّةً أخرى إلا أن الوقت كان ملكنا فاستمتعنا به.

    قبل السفر بحثت عن أشخاص يؤجرون غرف في منازلهم، كانت واحدة من أحلامي أن أعيش حياة الرحّالة الذين يقطنون منازل الناس في بلدانهم فيكتشفون أن التجربة أبلغ من الكلام الذي يقرؤونه في القصص ويشاهدونه في الأفلام. لم أجد فقلت خيرة. حجزت استديو صغير في جبل اللويبدة، غرفة نوم مريحة مؤثثة على الطًّراز الحديث، كرسي وطاولة وشُرفة تطل على بنايات السّكن.

    في الأردن والشام عمومًا يُطلقون على الشُّرفة “البرندا”، وأنا أحب هذه الكلمة وحين بحثت عنها وجدت الأستاذ عارف حجاوي يشرح أصلها، فيقول بأنها جاءت بدايةً من كلمة ڤَرندا بفتح الفاء في اللغة السنسكريتية الهندية ثم انتقلت إلى الفُرس ومنهم أخذها العرب وانتقلت معهم إلى الأندلس ورحلت إلى إيطاليا ثم عادت إلى العرب ڤِرندا أو ڤيرندا بكسر الفاء. ولو سُئلت الآن ماذا سأكون لو كنت أي شيء غير الإنسان، سأختار بالطبع أن أكون كلمة تُسافر دون جُهد وعناء وتظلّ في الوجود ما بقي البشر؛ في كلامهم أو في كتبهم.

    قبل الرحلة بأيام قليلة وجدَت لي رغد غرفة في منزل زوجين، احترت في البداية بينها وبين الأخرى المريحة ثم حجزتها وانسحبت من الأولى، كنت سعيدة لأنها ستكون مفاجأة، لم أفتش عنها أو أستفسر كثيراً، أيًا كانت النتائج أريد أن أتفاجأ.

    حملنا حقائبنا وذهبنا إلى المجهول؛ بناية في شارع الرينبو، المفاجأة الأولى أنها في الطابق الثالث، والثانية أنها بلا مصعد، فور وصولنا رآنا الشاب الذي يعمل في مقهى بجانب البناية بالرغم من نحول جسده قدّم لنا مساعدة لا تُنسى، نعم ساعدنا في حمل الحقائب الخمسة، وأنا أجر حقيبتي أو أحملها في الحقيقة كنت أخبر شيخة الكار أن هذه التجربة تُعِدُّنا للسفر حول العالم، قد لا نجد من يحمل حقائبنا في المنزل المجهول الذي سأُخاطر باستئجاره في جبال صقلية أو أي مكان حول العالم. خرج الزوجين إلى عملهما قبل وصولنا وتركا لي مفتاح المنزل والغرفة في زرعة بجانب الباب، ذكرني الباب بمنزل بثينة في زمن العار.

    لفتتني صورة فيروز في المدخل، بفستانها الأحمر وملامحها الرقيقة الحادة، أتمنى لو أنني ولدت في أربعينيات القرن العشرين، لأحظى بالحضور لمسرحيّات وحفلات السيدة في بعلبك وبيروت.

     الصالة صغيرة ودافئة مؤثثة بطراز قديم، أريكة زيتونية سجاد ملوّن تلفاز بجانبه الصوبيا كنت مندهشة منها فلم أرها حقيقةً من قبل بل أعرفها من المسلسلات، شرحت لي شيخة الكار طريقة استخدامها وإشعالها. توجد مكتبة صغيرة تحمل كتباً عربية وأجنبية قديمة ذا ورق أصفر، ونسختين من القرآن الكريم والكتاب المقدس وصليب وفي أعلاها خمّارة، كيف جمعوا كل هذا في مكان واحد! أعتقد أنها جزء من الديكور في المنزل، فكّرت في البداية بأن المكتبات عادةً ما تعكس روح القارئ وتسمح لنا بالتعرّف عليه لكن لا أظنها مكتبة شخصية، المطبخ متوسط المساحة متكامل ورثّ.

    في السطح جُمعت كراكيب كثيرة، وجلسة لم أجلس عليها ربما بفعل الصيف والأجواء اهترأت، وأتخيل لو كنت في منزل جدي القديم سأجد مثلها بل وأكثر اهتراءً منها، جدار كامل يحمل زرعات ونبتات متنوّعة، كما وجدنا فاس مربوط في عمود خشبي، وجرة ماء وحوض استحمام، عناصر ساعدت شيخة الكار لتؤلف سيناريو مستلهم من مسلسل Breaking Bad، لتدفعني إلى الخروج من المكان حين تغادر فقالت بهذا الفاس تبدأ الجريمة وفي الحوض يكون التشريح وتحليل الجثة. ألا تشبه القصص المرعبة التي تتخيّلها الأمهات لردعنا عن التجارب المجهولة!؟ لم تُرعبني القصة لكنها تسللت إلى عقلي وجعلتني أكثر تحفظاً.

    غرفتي مقابل باب السطح تمامًا، كانت واسعة جدًا سجاد ملوّن وباهت، أريكة حضراء، منضدة شفافة وتلفاز حديث على قاعدة خشبية وخلفه وُضعت ألوان زيتية وأدوات رسم ولوحات من بينها لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي؛ الذي قرأت سيرته قبل شهر وألهمتني لأغرق أكثر في تفاصيل حياتي وأعيشها كما أتخيلها، أليست هذه غاية الفن كلّه؟! نوافذ الغرفة واسعة تُطل على منازل عمّان المتزاحمة فوق الجبال، والشارع ضيّق تمتد على طوله الأشجار، والسرير مُحاط بستائر لونها أحمر قاني، وكانت المفاجأة الثالثة خلوّ المنزل من أجهزة التكييف، ستكون تجربة على صفيح ساخن بالفعل.

    نمنا قليلاً ثم خرجنا مشياً لتناول الغداء في مطعم سفرة، يقع في فيلا قديمة في جبل عمان، ذهبت إليه في المرة السابقة مع البنات، اخترت ذات الطاولة إلى جانبنا نافذة تطل على نافورة صغيرة وأشجار عالية، تناولنا المنسف وسلطة زهور الكوسا ومنزّلة باذنجان شهيّة، تحدثنا والتقطنا الصور ثم خرجنا وشربنا الشاي في حديقة المطعم وهذه المرة بجانب النافورة دون حاجز لنسمع خرير الماء يمتزج بصوت فيروز وأحاديث الناس، الأشجار كثيرة وعالية وجميلة. 

    خرجنا بعد ذلك وتسكعنا في شارع الرينبو، دخلنا بعض المتاجر حتى رأيت من بعيد لوحة لبحر لفتتني ودفعتني للاقتراب منها فإذا هو Balian ceramics يعمل فيه رجل سوري من الشام نسيت اسمه، يصنع كل قطعه بيديه بدايةً من عجين السيراميك إلى قصها وحفرها وتلوينها حرقها، قال بأن العمل هذا يحتاج لطولة بال لذلك طلّق زوجته وقص مرارته، يتخلّى عن كل شيء إلا حرفته! غريب أطوار وسريع الانفعال لكنه فنّان مذهل، وقد بدت عنايته في المكان، في كل قطعة، كدت أذوب أمام الجمال وترقرت عيناي فقالت شيخة الكار لأول مرة أرى كيف تتفاعلين مع الجمال وربما كانت العبارة الأجمل في الرحلة، فدائمًا ما يدفعني الجمال للبكاء حتى وإن شاركته مع أحد أعجز عن وصف الشعور وأرغب في الانزواء والجلوس في حالة صمت لساعات وأيام وشهور، للأبد، أريد أن أغرق في الجمال دائمًا، أن أتحول إلى لون أزرق في أحد لوحاته. 

    تأملنا جميع القطع، إطارات مرايا وصحون زينة، حين رأى البائع دهشتنا أدخلنا إلى معمله الخاص، معظم زبائنه من الأجانب، خرجت من المحل بحلم جديد؛ أريده أن يصنع لي سيراميك منزلي الخاص.

    عدنا إلى المنزل بعد العتمة، شاهدت مسلسل وتحدثنا كثيرًا، كان الجو حار جدًا أخذنا حبوب منوّمة، ولم يخف نشاطي وكلامي، استلقت شيخة الكار أغمضت عينيها وحثتني على مواصلة الحديث كي لا أعتقد بأنها مملة وأنا لا أراها مملة ولا زلت أتحدث، حتى تذكرت قصيدتي المفضلة لياسر الأطرش فأجبرتها على الانتباه لتسمع مني، يصلح الشعر أن يكون ملاذًا للإنسان في الأيام الصعبة، وهذا القصيدة على وجه التحديد كانت من صديقتي الوفيّة في الأيام الصعبة أعبر بها الحدود وأرى في العتمة، ربما أبالغ لأن الله وحده يفعل هذا، وكل شيء دونه تسلية نقضي بها الوقت.

    ألقيت القصيدة “نعيش ما دمنا نحب” ونمنا على أمل بغدٍ أفضل وحب يفيض منّا لكل شيء يُحيط بنا.

    في اليوم التالي ذهبنا إلى مطعم ميجنا، أخذت كتاب صاحب الظل الطويل، وجلسنا بين الأشجار، واستمعنا للعم محمد الذي يعزف على العود ويغنّي بصوتٍ شجيّ وهو يمشي بين الناس. لعبنا لعبة جميلة مع الكتاب حيث تختار واحدة منا رقم صفحة عشوائية ثم تقرأها الأخرى ونتبادل الأدوار لنجد في العبارات إسقاطات على حالنا فنضحك.

    تقول جودي أبوت: ها أنذي في لوك ويلو لقضاء الصيف، أو للأبد. فالسكن رخيص والمحيط هادئ ومناسب لحياة أدبية، فما الذي يتمناه كاتب مجتهد أكثر من هذا؟

    عُدنا إلى المنزل، غادرت شيخة الكار وبقيت وحدي في مواجهة عمّان.

  • صديقات في عمّان

    قبل شهر أو أكثر شعرت بلوعة اشتياق لصديقتي في الأردن، وقررت زيارتها في إجازتي الصيفية دون أن أخطط لسفرة جماعية، ثم حاولت إشعال الغيرة ودفع صديقاتي للسفر معي حتى صرنا خمسة في الرحلة، تمامًا كما يغنّي صباح فخري بتصرّف “كنت وحدة على النبعة .. إجا المحبوب صرنا خمسة”.

    مشاعر السعادة التي غمرتني في أول يوم إجازة لا تُنسى، وأحلى مافي ذلك الوقت أنني أحزم حقائبي لأسافر دون أن أخطط كثيرًا وأجهل ما الذي سأعود به.

    اخترت كتاب صاحب الظل الطويل لأقرأه في الطائرة، شاهدت المسلسل الكرتوني لجودي أبوت مرتين، مرة وأنا صغيرة لا أتذكره إلا لماماً، وتأثرت حينها بكتابتها للرسائل وربما هي التي دفعتني لتقدير أدب الرسائل، وشاهدته مرة أخرى في بداية عشرينياتي، أما الكتاب فحين بدأت بقراءته لم أتوقف حتى انتصفته في ساعة الوصول، أغرِمت بترجمة بثينة الإبراهيم أما رسائل جودي فقد أصابني جمالها بمقتل وسقطت دموعي لأنها رائعة ولأنني أريد أيضاً أن أكتب رسائل شفافة ونقيّة لصاحب الظل الطويل.

    في بداية مراهقتي كتبت مئة رسالة مُتخيّلة لصاحب الظل الطويل أظنني أحرقتها، والآن أتبادل الرسائل مع صديقاتي وأريد أن تكبر الدائرة غير أن دوافع الكتابة تنكمش في أيام العمل، عمومًا لم أكن حزينة بقراءة الرسائل بل كانت رائعة ومنعشة كأنها استحمامٌ في الصيف بالماء البارد، أروع مافي الوجود أن نملك الفضول وأن نملك معها دوافعًا للعيش، ونعرف كيف نرى الاشياء بطريقتنا ومن منظورنا الخاص، هذا ما أكّدته لي جودي أبوت أو جين ويبستر.

    أريد أن أصرخ وأرقص في كل مرة أتذكر أنني أعيش تجربة كانت بعيدة أو صعبة أو حلمًا ركنته جانباً في رأسي ثم صار حقيقةً أعيشها اليوم. لا أعرف كيف تصبح الأشياء عادية في متناول يدي بينما لم أكن قادرة على تخيّلها ولا كيف سأكون حين أعيشها، كأن أسافر مع صديقاتي مثلاً، قد تبدو أمور عادية، حتى أتذكر أنها كانت حلمًا في حياتي فأشعر بلذّتها.

    لا أتذكر ما الذي كتبته عن الرحلة الأولى مع صديقاتي لكنها لا تُنسى ولا أريد الكتابة بإسهاب عنها بل أحب أن أربيها في ذاكرتي وفي الصور وربما بعد زمن حين أشتاق إليها سأكتب عنها، اكتشفنا خلالها أننا متشابهات جدًا، لا نخشى من هذا التشابه بل نفرح به، تصادمنا في بعض الأحيان وتعلّمنا كيف نفعل ذاك دون قلق التخلي، توطدت علاقتنا بالانكشاف وأتذكر دهشة بشرى التي كانت ربما تراني شابّة مثقفة ورصينة لكنها رأتني تافهة متهاونة ومُضحكة وغير ناضجة تماماً، ذلك كلّه وأنا منشغلة بعملي الذي جئت به، عُدت من الرحلة بذكريات ولحظات غسلت فؤادي وعلّمتني أن لدي صديقات حقيقيات.

    عمّان مرة أخرى مع صديقاتي العزيزات

    ولكن هذه المرة مع خالتو نادية أم صديقتنا رغد، يالها من إضافة رائعة أن نسافر صديقات وأم حنونه عذبة المحيا تحب الطرب الأصيل وتستمتع معنا في كل شيء.

    كانت الأيام قصيرة جدًا وتمر بسرعة، قضينا اليوم الأول في جرَش، فلّة بين التلال الذهبية المتأثرة بالصيف ربما لا أعتقد أنها ستظل هكذا في الربيع ولن أتحدّث عمّا فعلنا خشية الحديث عن خصوصيات صديقاتي لأنني لو كتبت سأتحدث عن كل شي حتى عن العشاء الذي طهته شهد وتذكرت على المائدة بأنني لا أحب الوجبات السريعة ولكن على أية حال أكلت وأحب أي شيء تعدّه شهد.

    في اليوم التالي تناولنا الإفطار في مطعم دينا وهو مطعم شعبي مزدحم، انتظرنا كثيرًا لنحصل على مكان، كان المشهد المفضّل في الرحلة امتلاء المكان بالناس وأصواتهم، وبدا لي أن المسؤول عن الموسيقى مغرم بإليسا، يقدّمون أشهى إفطار عربي مع خبز التنور المحضّر في آنه، أكلنا الفلافل بالطريقة الشهيّة التي تعلّمناها من شهد خبز وحمص وفلافل مع أوراق النعناع وشرائح الطماطم وزيت الزيتون.

    في المساء تجوّلنا في البلد تناولنا حلاوة الجبن وكنافة حبيية مع القهوة، وتعرّفت في كشك الطليعة الثقافي على صاحبه سامي أبو حسين وهو يسير على خطى والده أحمد حسن ويُكمل مسيرته في نشر الثقافة، أسس والده الكشك في عام 1949 وعمل في توصيل الصحف والكتب القادمة من البلدان العربيّة النَّشطة ثقافيًا آنذاك على دراجته، هل كان يشعر كما أظن بالدهشة والحب تجاه عمله!؟ سألته عن توصياته لكتب أردنيين مُعاصرين دون أن أحدد أي شيء فضحك وأخرج لي كتاباً له اسمه سرديّات عمّانية يذكر فيه تاريخ مقاهي البلد ومكتباتها وينقل فيه الأخبار المكتوبه عن والده – رحمه الله-. وتعرّفت معه على شادي العلاوي رجل كركيّ أصيل، يبدو الأمل نقياً في وجهه وكأنه جاء من زمنٍ قديم، وحين يتحدث عن الأردن كأنه يحكي عن ابنةٍ له، دار بيننا الحوار عن الكتابة والكتب واتفقنا على أن يأخذني في جولة لبعض أحياء عمّان ثم في اليوم التالي نصحني بالذهاب إلى أمسية شعرية، في نهاية اليوم جلسنا في مقهى جفرا واستمتعنا بجلسة العود والأغاني القديمة.

    جرّبنا في يوم آخر تناول الزرب تقول شهد أنه يشبه المندي ولكن بالطريقة الأردنية، وحين بحثت عنه وجدت أنه من أشهر الأكلات في بوادي الأردن ووادي رم، يشبه المندي في طريقة الطهي ولكن له نكهة ومذاق لا توصف لذتها. وزرت مع بشرى قرية الصويفية؛ ربما هذه المرة الأولى التي أرى فيها Jordan وليست عمّان، منطقة حيّة ومتاجر كثيرة عربيّة غالباً، التجول والجلوس في المكان ممتع، شربنا القهوة وتحدثنا، واشتريت من هناك طقم فناجين للقهوة، لم أتمالك نفسي حين رأيته وشعرت أنني بحاجة ماسّة إليه، لونه الأساسي أبيض رُسمت عليه خطوط بلون البحر وزهور وردية بأوراق خضراء، ألوان منعشة تستحق أن تكون في منزلي.

    أفكر أن أشتري جميع أواني منزلي من محطات السفر، حتى لو كانت مجهولة وبعيدة لست على عجل، كنت أبحث عن فناجين القيشاني لكنها حصرًا في دمشق، وأنا مُغرمة بسوريا ولو كان لي حلماً واحدًا سيتحقق حتماً قبل أن أموت سأختار زيارة الشام، وسوف أزورها يومًا ما بإذن الله.

    تذكرت:

    وأنا في جرش فتحت الخريطة ووجدت أن بيني وبين درعا ساعة وأربعون دقيقة، وكانت بيني وبين الشام ثلاث ساعات. وفي الرحلة السابقة حينما زرت السلط كنت على بُعد ساعة من فلسطين، لا أعرف ما الذي يدفعني لهذا البحث لكنه الأمر الوحيد الذي أحاول إشاحة وجهي عنه، لا أحتمل كل الحزن القاتم الذي يُخيم علي لو حاولت الاستطراد والتفكّر فيه.

    بعد هذه الثلاثة أيام عادت صديقاتي إلى الوطن وبقيَت معي صديقة جديدة ليومان وليلة واحدة ثم صرت وحدي في عمّان وسأكتب عن تلك الأيام في التدوينات القادمة.

  • شجاعةً منكِ أن تُسقِطِ الراية

    من تلك الأيام التي تنكمش فيها رغبات العيش والأحلام ويهدأ توهجنا المعتاد ونشعر فيها بالذبول، بدأت هذا اليوم لا أشتهي سوى الوصول إلى نهايته بالسلامة، وطالما أنه في حساب أيامي وعمري، فلا مفرّ من أن أجرّ فيه خطاي وأتغاضى عن رغبة الاستسلام الملحّة للنوم.

    وجبة إفطار سريعة، حشوت قطعًا صغيرة من رغيف الخبز العربي بالبيض المقلي مع تبولة حضرتها قبل يوم ومسحة من صلصة الريحان وشاي الزهورات المخلوطة بالمتة، وبعد الشّبع ظننت أن وجهي العَبوس سيتغيّر لكنه لم.

    ذهبت إلى العمل ونسيت أن أشرب القهوة في المنزل، وفي الطريق تسلّيت بالذكر وتعداد النِّعم الكثيرة حتى أراوغ هذه الكآبة وأُدلِّلها، جلست ساعات في المكتب دون أن أشعر، كل ما أفعله رد السلام والابتسامة على مضض، ويعلم الله كم حاولت أن أخبئ وجهي خلف الحاسوب فلا أرى ولا أُرى، لكنني على عكس المتوقع أنهيت مهامًا عاجلة، ولا أعرف لماذا يرفعون درجة التكييف في المكتب حتى أشعر بالبرد ينخر عظامي، وأنا لست من حزب الشكّائين لذلك لم أُطالب بتغيير درجة الحرارة إذ لابد أن آخذ معي قطعة صوف ولن أنساها غدًا بعد هذا اليوم، الفرق شاسع بين الأجواء الباردة في الشتاء والبرد اللاذع في البنايات المغلقة، وأعتقد تمامًا أن الثانية تجلب الأمراض.

    حاولت فعل شيء، التدوين أو القراءة أو حتى الاستماع إلى درس مُفيد، ولم أفلح، مقالات كثيرة قلّبتها ولم استطع قراءتها، كأنما أصابت البلادة عقلي، بكل بساطة لا أريد فعل شيء، في ساعات العمل الأخيرة وفي محاولة لتمضية الوقت والتدفئة مشيت في الأسياب، وحين عدت قررت إعداد قائمة لوجبات الشهر، سألت زميلاتي عن الأطباق الشهيّة التي تحضّرها أمهاتهن وحصلت على أصناف متنوّعة تبدو شهيّة، وتذكرت واحدة من ألذ الأصناف التي تعلّمتها صينية الأرز بالزهرة، تعلّمتها من أم زميلتي في عملٍ سابق، وفي نهاية اليوم شعرت برغبة مُلحّة للذهاب إلى سوريا.

    كلما اهتز وجداني أو استقر يهب عليّ الشجن وتخطف سوريا فكري، وكم تجرحني رغبة الذهاب إليها وموعدنا مؤجل، لا أعرف آلآن أم بعد شهر أو سنة، رغبة الذهاب إلى سوريا تشبه رغبة العودة إلى المنزل بعد العمل. عدت كما ذهبت وقد كان اليوم طويلاً انقضى بحول الله وتحت رعايته، أرتمي على السرير أتأمل الشمس بسطوعها الأخير الباهت على المكتبة، وفيروز تصدح بصوتها الغنّاء

    “احكيلي احكيلي عن بلدي احكيلي .. يا نسيم اللي مارق عالشجر مقابيلي..”

    “بيقولو صغيّر بلدي.. بالغضب مسوّر بلدي … الكرامة غضب، المحبة غضب، والغضب الأحلى بلدي”

    فكّرت أن أخبز كيكة فانيلا هشّة، أشعلت الفرن ثم تلاشت رغبتي بسرعة فأعدت كل شيء لمكانه، وفكّرت أن أتعلم أصنافًا سورية لم أتعلمها بعد، وضعت قائمة بأصناف اشتقت إلى طهيها. في مثل هذه الأيام أحب مجاراة نفسي والترفّق بها، وحتى إن حاولت تأنيبها على شيء أعرف أنها تبذل قصارى جهدها في مواجهة تقلّبات غير متوقعة، وحين ينتهي اليوم أعرف تمامًا أنني في الغد سأنجو ويتغيّر حالي للأفضل.

    انتهى اليوم بعد أحاديث عشوائية مع رفيقتي، حدثتها عن علاقتي مع سوريا ولا أزال غير قادرة على تفسير ما في نفسي إلا أنه الولَع الذي يطبعه الله في قلوبنا فلا مفرّ منه، وسوريا ليست في ذاكرتي منذ الطفولة ولست أحبها بتلك الرومنسية المطلقة التي تنشأ من الدراما السورية العظيمة، بل هي تناقضاتٌ عدّة بين الجمال والقبح، الأمل واليأس، أحببتها كثيرًا وكرهتها أكثر، وفي آخر المطاف تتجلّى بكل ما فيها من مآسٍ وبتاريخها القديم لتكون وجهتي الأولى الأحب والأرق.

  • “من قال لا في وجه من قالوا نعم”

    تحرّيات قبل أن يوشك الحريق على الاندلاع

    واحدة من الخطوات التي اتّبعتها مؤخرًا يوم الخميس؛ عدّ المهام التي أنجزتها خلال الأسبوع كمسرّات صغيرة تُذكّرني بما حققته، وإعداد قائمة بما عليّ إنجازه أو البدء بالعمل عليه في الأسبوع القادم، ولا أعرف كيف انتهى الخميس الفائت وأنا في حالة صدمة إثر استقبال مهمّة جديدة نهاية اليوم لم تكن في الحِسبان، وبعيدًا عن حجمها ومدى أهميتها، إلا أن مزاجي وطاقتي كانا خارج نطاق الخدمة تمامًا، شعرت بعجز عن القيام بأي رد فعل، حالة تشبه اللحظة الأولى للاستيقاظ حين يحتاج المرء لساعتين على الأقل حتى يسترجع هويّته ومكانه ودوره في المجتمع ويستوعب كامل قصته، فلا يطيق آنذاك الحديث مع أحد ولا الاستماع لأحد، قررت أن أتوقف، وحين لاحظت جارتي في المكتب هول الصدمة على وجهي، لم تتردد في تقديم مساعدتها لي وتهوينها الأمر عليّ، ربما شعرت بخيبة تجاه نفسي لأنني أحب أداء مهامي على أتم وجه، وأكره حين لا يسعفني الوقت ولا تمتد طاقتي للقيام بكل ما يُطلب مني، ولكن كما يقول الجواهري أهذه صخرة أم هذه كبد؟! مهما حاولت فأنا كاتبة، ولست واحدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

    خرجت مسرعة إلى المنزل، ورافقني الصداع طوال اليوم، وفي محاولة لاستفتاح نهاية الأسبوع التقيت بصديقة في مقهى، ثم رحلَت وبقيت وحدي أحاول كتابة أي شيء يخطر في ذهني، لعلّي أفهم الحالة والعجز الذي شعرت به حتى نسيت أهم ما أنجزته خلال الأسبوع، لقد كتبت مقالة كان موضوعها هاجسٌ يتردد علي طوال عامين، أنجزتها بصورة تُلائم النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ليست موسّعة كما رغبت لكنني أحبها بأي شكلٍ كانت، وبأي طريقة رأت النور عبرها.

    تسلل إلى ذهني سؤال عمّا إن كان هذا الشعور من بوادر الاحتراق الوظيفي؟ أو شيء يقود إليه! حاولت استرجاع مشاعري في الأيام المهنية الصعبة وتذكّر شكل هذه المتلازمة، خلال سبعة أعوام في سوق العمل مررت بتجارب كثيرة، عملت في أيام متواصلة، أعرف الطعم المرّ للانهيارات المهنية، للمواجهات الصعبة، إلا أنني أقف الآن ولا أتذكر من كدَر الأيام شيئًا، وهذه من نِعَم الله وأفضاله الكبيرة الكثيرة علينا، حين يكتب لنا التجارب لتربّينا ثم بقدرته يُنسينا مُرّها، ربما أيضًا لأن جلّ اهتمامي الحقيقي طوال مسيرتي المهنية مُنصب نحو العمل والإنجاز وما يجب أن أتعلمه خارج سياق كل شيء.

    في محرّك البحث بدأت أقرأ عن الاحتراق الوظيفي، وفي الملاحظات بدأت أكتب ما يدور في ذهني.

    عادت ذاكرتي لمشهد قديم، حين كنت طفلة اعتدت على نسخ كتب أختي الجامعية آنذاك، وتخيلت نفسي كاتبة حين أكبر منشغلة بالورقة والقلم، مع أن إجابتي على سؤال ماذا ستصبحين إذا كبرتي؟ مُختلفة تماماً، فقد أحببت الرياضيات أكثر من القراءة، وكُنت أجيد التعبير وأحسبه مهارة أُمارسها لأغراض شخصية، وفضّلت المسار العلمي على الأدبي، وظننت أنني سأكون إما معلمة أو طبيبة، وكرهت دراسة اللغة والأدب، ولكن حين كبرت عرفت قيمة اللغة العربية على وجه الخصوص وتبدّل رأيي.

    وأنا أتذكر كل هذا أحببت قدري أكثر وعرفت لماذا أحب عملي، ولماذا بدأت أتذكر كل هذا، ربما ليكبر فيّ الامتنان وأرى التحديات بعين تتجاوز المهم للأهم، فحين ساق الله لخيالي تلك الصورة وأنا طفلة، قدّر لي العمل في هذا الحقل، لذا أعتقد أن حياتي تشبه لعبة البازل، لا شيء يحدث صدفة، وكل شيء يقود إلى شيء آخر، ويرتبط به. 

    أكملت البحث عن الاحتراق الوظيفي، وقرأت ما يزيد عن عشرين مقالة بعضها تحليلات نفسية، وأخرى عن تجارب شخصية، وآخر لفتتني لأمور لم أفكر بها من قبل، على سبيل المثال كتبت إيمان أسعد مقالة على بعنوان “هل وزنت الوقت الذي تهدره في توافه الوظيفة؟” باختصار تحدثت عن المهام التي تأكل وقتنا دون طائل إنتاجي منها، كأن ننجز مهمة عن موظف آخر بدل أن نتركه يتعلّمها بنفسه أو نرشده لتعلّمها، أو أن نصحح عن المصحح التلقائي، تبدو مسألة سخيفة في بادئ الأمر، ولكنها قد تأخذ من ساعات العمل في كل يوم ما يوازي الساعة أو الساعة والنصف، وهذا الوقت أحق أن نقضيه في إنجاز المهام المخوّلة إلينا.

    وتقول شذى محمد في نشرة لها عن أهمية مشاركة زملاء العمل التحديات التي تواجهنا وذكرت بأنها حين أدى انغماسها في العمل إلى تفويت مواعيد الوجبات الأساسية لم تفعل شيئاً في البداية، حتى وصل الأمر مداه، وقررت إشراك زملائها بالتحديات التي تواجهها، فلفتت انتباههم وتلقت المساعدة التي تحتاج إليها، وهكذا ببساطة أنقذت نفسها من متلازمة قد يمتد أثرها على جودة حياتها وإنتاجها المهني.

    وفي دراسة أُجريت على عدد من موظفي قطاع التقنية في الصين عام 2025، أكدت بأن الاحتراق الوظيفي ليس مجرّد ضغط عمل بل استنزاف نفسي وعاطفي مستمر، والمثير أنها وصفت مهارة “إدارة المشاعر والقدرة على ضبطها أو ما يسمى بالكفاءة الذاتية لتنظيم المشاعر” بحاجز نفسي يحول دون تحوّل ضغط العمل إلى احتراق وظيفي، إذ يمتاز هؤلاء الأشخاص بالقدرة على التحكم بمشاعرهم تحت الضغط وإعادة تفسير المواقف السلبية ما يُساعدهم على الحد من أثر البيئات السامة عليهم، وبالتالي صلابة نفسية تؤدي إلى النجاة، وأكدت الدراسة أيضاً بأن هذا لا يجعل الاحتراق نتيجة لضعف الموظف بل هو نتيجة لثقافة بيئة العمل، والمهارة أعلاه تساعد على التعامل مع ضغط العمل، ورؤية المصاعب كتحديات مُحفزة للإنجاز.

    ما استنتجته في نهاية الأمر أن ما حدث معي حالة طبيعية نتجت عن مواجهة لشيء غير متوقع، لو لم تستوقفني لقادتني إلى حيث يندلع الحريق، وأدركت بعد البحث أنها كانت فرصة لاكتشاف متلازمة بعين الباحِث لا بعين المُجرّب كما العادة، متلازمة يختلف وقوعنا فيها باختلاف زوايا رؤيتنا، وعرفت عبرها أن الامتنان للمعنى الصادق أجلّ ما نتحلّى به، والشجاعة لمن “قال لا في وجه من قالوا نعم” ولكن في الوقت الصحيح والموقف المُناسب.

  • “مطر نيسان يحيي قلب الإنسان”

    أجلس على مكتبي أمام النافذة المطلة على زخات المطر، بعد أن لمحت اجتماع الغيوم لساعات ثم تلبّدها وتغيّر لونها، وأخيرًا اللحظة الأولى لهطول المطر، سقط بكثافة مهيبة وقوّة لافتة كأنها بداية سيمفونية تقبض على أنفاسك وتأخذك بسحرها فلا تسمع غيرها، وهل أشهى للأذن من وقع المطر على الأرض؟ وبهذا أعتقد أن الرياض في نيسان تغدو حنونة وتحاول تبرير قسوتها بربيعٍ ليس لنا منه إلا المطر.

    أما ذاكرتي فقد قررت استرجاع مشهد من مسلسل الفصول الأربعة لماجدة أو (مَقدة) وهي تقول: لك هَي مطرة نيسان بتحيي قلب الإنسان. وهنا اختلط الحنين علي لكل شيء، لمطر الربيع في الوديان والجبال وللطفلة المبللة، ولمشهد اللعب مع خالي تحت المطر – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- وحتى لسوريا التي لم أزرها بعد. مقدة امرأة مُتلبّكة تحب أن تعطي اللحظة قيمتها إلا أن حياتها تقف ضد رغباتها الصادقة، في المشهد ذاته يُجيبها نجيب زوجها الهارب من المطر بتنبؤات الأرصاد الجوية التي توقعت هذا، ويطول حديثه عن الطقس كأنما لم تلفته العبارة الرقيقة ولا زوجته المبللة والسعيدة تحت المطر، تتحوّل سعادتها الغامرة إلى شيء يشبه النحيب واليأس، تختلط دموعها بماء المطر ولا يأبه، امرأة تشتهي ملء حياتها بالمحبة فقط، تظل تبحث عن سبب منطقي لحب زوجها بعد مرور السنوات، حين تسقط أقنعة البدايات وتطفو عاديّة المرء على السطح. المستفاد من القصة ربما أن الفعل وحده لا يروي الاحتياجات العاطفية لدى النساء، بل الحب هو الفعل والكلمة والشعور والتعبير بكل الحواس.

    وأنا مثل نجيب في نيسان أحيانًا، أحاول إيجاد المنطق في فوضى حياتي وأنا أعيد ترتيبها من جديد بكامل جديّتي، فأنسى جمال اللحظة، حين نزل المطر أول مرة فَضّلت مراقبته من النافذة حتى لا أفوّت موعد النوم، فيترتب على ذلك الاستيقاظ المتأخر والسقوط في بئر البؤس وجلد الذات، ثم برحمة الله نزل المطر في أيامٍ أُخَر وتبللت به كما أشتهي.

    بعد العيد حين تهدأ الأجواء الاجتماعية أنسى طريقة أيامي قبل ذلك، تمامًا تشبه الحالة نكتة نسيان مهام العمل بعد انقضاء الإجازة، الشيء الوحيد الذي لم أنسَه هو الذهاب إلى العمل وإنجاز المهام، تختفي دوافعي التي أعرفها يقيناً وأبقى في هدوء هاربة من كل شيء استجمع أفكاري وأحاول استذكار طريقتي في العيش او لعلي أخلق طُرق أخرى.

    كان الحل أمامي ولكن تركت نفسي على هواها طوال شهر، حين وجدت نفسي خاليه من الدوافع لفعل أي شي لم أركض ولم ينتابني الهلع بل توقعت أنه عارض علاجه النوم المبكر، كل شيء بعد هذا سيأخذ موقعه الطبيعي، وبالفعل كأنما يحمل لي الصباح مفتاحًا سحريًا لتحريك دوافعي الشخصية وإعادة الحياة لمجراها الطبيعي، وما ساعدني على إعادة ضبط الروتين وتحديد الأولويات أنني في مطلع العام رتبت لنفسي خطة شخصية مكتوبة وفصلتها على أهداف أصغر أنجزها في كل ربع سنة وأُتابعها نهاية كل شهر، لم أنجز كثيرًا لكنني عشت أيام هادئة، حاولت بقدر استطاعتي في البداية التخلص من الحنين لبيت الجد ثم ركضت في العمل واعتذرت كثيرًا من كل المقابلات والخروجات لأن طاقتي المحدودة ما كانت تحتمل أي شيء، وبهذا أعتقد أنني مستعدة لبداية الشهر القادم بلستة مهام وقراءات وأمنيات جديدة.

  • 3 | طريقٌ من الوَجد

    الرحلة الأولى لصحراء حسمى 2023

    بعد الشهر الأول من الغرق في صورة ظافر للصحراء، عثرت على رحلة عنوانها “تجربة البدو في الصحراء”، ولأنني لا أعبث مع القدر لملمت حقيبتي وقررت خوض التجربة.

    سرنا في الطريق من المطار، جبال وصحراء تتدرج ألوانها بين الأحمر والأصفر، السائق في ريعان شبابه، اختار مهنته الثانوية هربًا من الملل وربما ليدلّ الناس على ثراء مدينته ويتحدث مع الغرباء، انساب الحديث بيننا عن كلّ شيء، عن حالة المدينة وتضاريسها، عن المجتمع والقضايا العربية، كان مبتهجًا ومتعجبًا من حماستي للتجربة، وحين أخبرته أنني لم أزر البحر منذ مدة طويلة قرر أن يأخذني إليه.

    اقتربنا من أعشاش خضراء ممتدة، قصيرة ذات خُضرة يانِعة ومُشرقة، تُزاحمها نباتاتٌ يابسة، كانت المفاجأة أزرق البحر بعد كل هذه الخُضرة، صرخة آه واحدة ما كانت كافية للتعبير عن غرقي في الجمال، هناك زرعت أول بذرة محبة في قلبي للشمال، ولا أزال أتذكرها حتى الآن بعد مرور سنوات، بالتأكيد عشت في المشهد بكامل حواسّي وإلا كيف لذاكرتي أن تُعيده عليّ حتى الآن!

    حين كبرت صارت ذاكرتي حنونة، شهيّتها مفتوحة لتقسيم الأحداث التي أعيشها، بين هامش يبتلع كل شيء غير مهم وكاذب، وصندوق صغير يلملم اللحظات الصادقة والحقيقية، معظمها جيّد ودافئ ومؤثر والقليل منها سيء ولكن لا ينبغي عليّ نسيانه، وجوده لا يسوؤني بل يمنحني القوّة والحذر.

    نزعت الحذاء، مشيت على الشاطئ، بين البحر واليابسة، ماء بارد ورمال خشنة، وشمس تسيل خيوطها من السماء، مُشعّة لا تحرق الأشياء، بل تمنحها دفئًا وبريقًا منعشًا، وقد نلت نصيبي منها، استشعرت هذا الدفء في قلبي، وتركت في البحر أناي القديمة، تلك الصبيّة التي ظلّت تركض للمجهول ما عاد الركض يُغريها ولا التوقف يُرعبها، انسالت مني تراكمات العيش، وصرت أنقى وأقدر لمواجهة الصحراء.

    ليس هناك دليل إرشادي يُعلّمنا كيف نكون في الصحراء، أو كيف نلتقي بها، ولا حتى كيف نستمع للصوت الذي تُحرّكه فينا، إبراهيم الكوني في كتاباته استدل بعظمة الصحراء أنها العراء الوحيد الذي لم يتدخل الإنسان فيه، لا أؤمن بهذا ولكنني أؤمن بأثر الصحراء، أرض الله التي تتغيّر وتصمد بأمره لا بدّ أن لها نصيبًا أكبر من السمو والتعالي عن غيرها من الأماكن، دون قصد تركت إبراهيم الكوني يتولّى مهمة الدليل والمُرشد لي، ولا أُخفي إعجابي بأثر الصحراء الجمّ عليه، طفل ولد في الصحراء، ضاع فيها، وحين بلغ الثانية عشرة انتقل للعيش خارجها، لكنها دفنَت سرّها في روحه، يكتب عنها وكأن الله أودع فيها نقاءً يُرشد التائه إليه. كأنها ترفض الرحيل عمن يأتي إليها بحثًا عن إجابة صافية لكل أسئلته.

    “استطاعت الصحراء أن تُشعل في نفسي، ككائن هش، حديث العهد بالأُحجية الوجودية، سُعار الوَجد، طلبًا للأجوبة”

    بهذه الخِفّة توجهت للصحراء، دون تكلّف في التفكير والتوقعات، ذهبت لأرى وأشعر وأستمع وأراقب كيف يبدو الإنسان حقيقيًا وعاريًا فيها أمام نفسه.

    بدأت الرحلة من مزرعة بانجيا، تعرّفت على وجوه جديدة، أحدهم عرفت من سحنة وجهه وحياءِه الغالِب عليه وحديثه القليل العميق أنه يُغامر في الصحراء لأنها دواؤه في الدنيا، وآخر يدفعه للمكان أسلوب حياته فاغتنم الفرصة وصار عمله حياته، وآخر متعلّقٌ بقراءة النجوم وحياة البدو التي هي حياته ونشأته، وصبيّ من أهل الشمال في مُقتبل عمره يعمل لأنهم هكذا يولدون رجالًا، محترف في التصوير، ولو أعطى لنفسه الفرصة تمكّن وبَلغ مجده، وجوده زاد المكان أُلفة على الرغم من هدوئه، وشابة لا أنسى حضورها الهادئ المتزن واحترافيتها في العمل.

    دلّني المرشد على كل مكان في المزرعة الصغيرة، أكثر ما أحببته شجرة زيتون سامِقة، اخترت الجلوس تحت أغصانها المتدلية، اخترتها لتكون شاهدة لحديث نفسي وتأملاتي وصمتي.

    في الطريق لصحراء حسمى توهّجت روحي، اللون الأحمر بوداعته مُلقى على رمالها وجبالها، النجوم سقفٌ من لؤلؤ منثور في السماء، وأمامنا يومان مليئان بالتجارب، بدايةً من المشي والتعرّف على الآثار والنقوش، الركوب على الجِمال، القهوة، لا أتذكر كل التفاصيل غير أني استمتعت، بالرحلة والأصحاب.

    سرقت بعض الأوقات للجلوس وحدي، واستيعاب كل هذا الصفاء والهدوء الذي لم أعتد عليه، ومُناي آنذاك لو كان باستطاعتي أن أحمل حسمى داخلي إلى الأبد، لآخذ منها جرعة أمان في الأيام الصعبة، نمت في الصحراء لأول مرة بعد تأمل النجوم، ولم أشعر بالخوف من العراء والظلام والغرباء، بل كانت من أحلى الليالي التي نمت فيها دون ابتلاع الحبوب المنوّمة. جلست صباحًا على تلٍّ رمليّ يُحيطني الصمت المهيب، في محاولة للتنقيب في الصحراء عن شيء، وكذلك جلست في وقت الغروب، شعرت لحظتها أن قلبي يرتجف، تلاشت كل الأفكار من رأسي وبقيت السكينة تحمل اعتقادًا راسخًا بأن الله لا يدفعني لشيء إلا لحكمة كتبها.

    حجزت رحلة العودة بعد يومان، لكن الأيام لم تكن كافية، وبي صوت تشبّث بالمكان، صرخ في وجهي رغبةً في البقاء، قررت المبيت أيام أكثر في المزرعة، زرت مطلّ الغروب والحديقة السرية، مشيت في طريق يُظلِّلُه الشجر، تحدثت كثيرًا، وجلست تحت شجرة الزيتون أكثر من أي مكان، شربت المتة والقهوة والشاي، قرأت وكتبت وأودعتها أحلامي ودموعي، كانت الليالي ساكِنة ومرّت الأيام بتحنان ولُطف بالغَين.

    عدت لمنزلي بعد أن ألقَت عليّ شمس الشمال سُمرة حلوة، وبقيَ في نفسي أثر من الصحراء، شعرت أن شيئًا داخلي بدأ يتغيّر، قدرة جديدة تتكوّن، كأنما كبرت فجأة، مثل يرقة تحوّلت لفراشة، مرّت بمراحل التحوّل الكامل وخرجت من روح صغيرة، أخرى أكثر كمالًا وجمالًا ووداعة، ربما آنذاك لم أُدرك كيف استقرّت روحي، وكيف بدأ الطريق يتضح كفاية لأعرف أي قرار أختاره لنفسي.

    وبعد

    سأتذكر دائمًا الصورة الأولى التي شرّعت هذا الباب لي، وبها دلّني الله على طريق ملؤه الوَجد والمحبة؛ لأتعلّم كيف أعيش وحدي، ربما أكون بارعة جدًا في رمسنة خُطاي وحياتي أو وهي كذلك، لا أعرف تمامًا ما الذي أثّر على الآخر، ولكن يظل الله حبيبي الأول والأخير هو الذي كتب كلّ شيءٍ وهو صاحب الفضل برحمته وعظمته وكرمه.

  • 2 | يوم اخترقت صورة الصحراء روحي

    حدث التغيير الأول في نظرتي لحياتي بعد أن أدركت انشغالي بحكايات الآخرين في التاريخ والأدب والسينما، تساءلت آنذاك من أكون في هذا الوجود؟ وما هي قصتي بين كل هذه القصص؟ وقررت أن أعيش حياتي بصدق وأكون فيها البطل والكاتب والمخرج، ولعلّ هذه المقدمة إيضاحًا لما سيأتي.

    وقعت بين يديّ أثناء العمل صورة لصحراء ممتدة وشمس هادئة تمنح كلّ شيء بريقه المستحق، غمرتني مشاعر دهشة وغرقت في بحر الجمال، ولأن إيماني عميق بحكمة الله في أصغر تفاصيل أقدارنا ظلّت الصورة خلفية عام كامل من حياتي، تأملتها في أيامٍ وليالٍ وانشغلت بها وبنفسي، كانت أشبه بمفتاح سرّي فتح لي بابَ الجمال على مصراعيه لأتعلم أن الفن الصادق يحرّك أعمق ما فينا، ولأدرك أن الجمال مُلقى في زوايا حياتنا تلتقط أثره العين المُبصرة.

    وفي هذا قرأت اقتباسًا من كتاب يُجيب فيه مجموعة من الروائيين الأسبان عن سبب كتابتهم للرواية، وأحدهم كتب “لاختراق روح القارئ”، وأدركت حينها أن الفن بكل أشكاله لديه قُدرة عجيبة على اختراق أرواحنا.

    بدأت أبحث عن الصحراء وكأن حواسّي لم تلتقطها أبدًا في الشعر والأغاني والكتب، يقول سيّد البيد في قصيدة عنوانها أنغامٌ من الصحراء:

    كنَّا نعيشُ الحبَّ في الصحراءْ
    وحْيٌ من السماءْ
    رسالةٌ فِطريَّةٌ
    أنشودةٌ عذراءْ
    لا نعرفُ الرسائل الملوّنةْ
    والكلمات الحلوة المدوّنةْ
    لا نعرف النفاقْ

    ولم نمارس اللهو بتهريب العواطفِ
    فالحبُّ عندنا انطلاقْ
    والعشقُ عندنا انتماءْ
    كموسمِ الرحيلْ
    كنسمةِ الصباحِ، كالأصيلْ
    كالماء، كالهواءْ

    في الصحراء كانت تدور في رأسي أفكار كثيرة من بينها أنني أكون أخف وأكثر وضوحًا، ويكون حدسي صادقًا حيال الوجوه التي تمرّ بي وحتى حيال نفسي، وهذا ما أفتقده في المُدن.

    الحبُّ فِي الصحراءْ
    حكايةٌ تطولْ
    وقصَّةٌ كثيرةُ الفصولْ
    تَروي عن الزمانْ
    متاعبَ الإنسانْ
    كفاحَهُ من أجلِ أنْ يَحيا الحياة
    صراعَهُ من أجلِ لُقمةٍ
    عزيزة المنالْ
    ممزوجة بحبَّات العرق
    وذرّات الرمالْ

    كان الشعر مدخلًا رقيقًا يزيد فضولي عن السرّ بين الإنسان والصحراء، كيف كانت مشاعرهم تفيض من مداد الرملِ وقيض الشمس، حتى تعرّفت على إبراهيم الكوني، الفيلسوف الأديب الليبي، العاشق الملتحم والمتيّم بالصحراء الكبرى التي ترعرع فيها بداية عمره، وظلّ يكتب عنها، مسرحه الأساسي وموضوعه الأهم وبطله الأبديّ، هذا الوفاء الأثير سحرًا لم أفهمه آنذاك، سحرًا أيقظ داخلي شعور بالفزع والتَّرقّب.

    قرأت عن الصحراء بلغة الكوني التي أعجز عن وصفها، ثمّ جاء ترتيب القدر وكانت “رحلة البدو في الصحراء” مع بانجيا في بجدة، تجربةٌ أختبر فيها مواجهة الصحراء، وأفهم شعور الإنسان المتيّم بها.

  • 1 | رحلة بدافع الحنين

    بعد أول زيارة لبجدة عام 2023 وضعت زيارتها الدورية في قائمة أمنيات العيش الهنيّ، لم آخذ وقتًا طويلًا فيها حتى نمَت محبتي الخالصة لها، كأنما خُلقت من رمالها، وكان الحب أجلّ ما أهديه مقابل ما أكرمتني به من الراحة والصفاء والأصدقاء.

    مرّ عامٌ تلو الآخر، وبقيَت بجدة في روحي وذاكرتي سلوى استأنس بها، شُغلت عنها في دوامة العيش، وكلّما تعبت سألت نفسي كيف تمرّ الأيام بهذه السرعة دون حساب وإدراك؟ في العام المنصرم تأججت حياتي المهنية عصفت بي وعشت تقلباتها الغريبة، صفعتني وصفعتها، أجهدتني حتى شعرت بالحنين يفيض لبجدة، كما حنّ درويش لخبز أمه، وكما أحن لأمي، فقررت ألا ينتهي العام دون زيارتها.

    خلال ثلاثة أشهر أغلقت الملفات العالقة، استقلت من عملي وحجزت رحلة الذهاب دون موعد محدد للعودة، روحي متعطّشة للصفاء والرمال والجبال والسماء والهدوء، ولا أعرف كم يومًا أحتاج لأرتوي.

    خيّم عليّ قلق ليلة السفر الغريب، غريب لأنني شخص بارد جدًا ولديّ حلول دائمًا ولا أحب اعتراضاته السخيفة عليّ؛ استحال القلق أرقًا، ولم أنم ليلة الرحلة حتى الثانية فجرًا، وضعت المنبه قبل الموعد بأربع ساعات، واستيقظت قبل الإقلاع بساعتين! مع ذلك تساءلت فورًا هل هذه رسالة تمنعني عن الرحلة؟ كنت خائفة أن يقسو عليّ قدري ولكن أمر الله من سعة، أقسمت لنفسي ألا أنام الليلة إلا في بجدة، قمت بواجباتي المنزلية بسرعة، لم أكتفِ بلمّ أكياس المهملات والتخلص من بقايا الأكل بل قررت أن أتحمم بسرعة، خلال ساعة استقلت سيارة، تلقّيت اتصالاً من الخطوط الجويّة يستفسر عن موقعي الآن ويطلب مني الاستعجال قبل فوات الرحلة، ولأول مرة جرّبت الركض في ساحة المطار، كنت في داخلي سعيدة بخوض هذه التجربة إذ لم أضطر في حياتي لهذا الركض من قبل، اتصل مرّة أخرى وطلب مني ترك حقيبتي لدى الأمانات، حاولت شحنها ولم استطع، كنت أشعر أن الدنيا كلها تركض في كل اتجاه، وفي رأسي الطائرة التي ستُقلع بدوني! اتصل للمرة الأخيرة بي واعتذرت منه.

    وقفت في مكاني أكرر في نفسي خلاص طارت، لأستوعب الفكرة، لم أتخيّل في حياتي أن تكون لي تجربة مع فوات الرحلات، كانت الفرصة مناسبة جدًا للبكاء، هل كانت رسالة إلهية للعودة إلى المنزل والبحث عن عمل أم اختبار لإصراري؟ فتحت هاتفي وحجزت أقرب رحلة بعد ست ساعات، مضى الوقت ببطء لم أشهده من قبل، تمشّيت في المطار، قرأت، تحدّثت مع غرباء، ولم أهدأ حتى ركبت الطائرة.

    “تشعر الطيور بشيء أقرب إلى الألم والخوف قبل الهجرة مباشرة، ولا شيء يخفف من هذا الشعور سوى التحليق.”

    12 ديسمبر 2025

  • رائحة العُشب النديّة

    في كل يوم تشهد الغروب تتبدّل شخصيتها بوضوح. امرأة غارقة في صراعات العمل تتجمد حين تُلقي الشمس حبالها الأخيرة من نافذة المكتب، ما إن تراها حتى تحمل حقيبتها بهدوء وتسير باتجاه الشمس، يسقط منها عبء العيش في الطريق، تتخفف من كل شيء، ولا ترى أمامها سوى هذا النور الأثير ملقى على وجهها، وعلى الطريق، والسيارات والبنايات، لا تُفكر بشيء سوى المشي باتجاه الغروب وتأمل هذا الطريق.

    مع غياب الشمس تصل إلى الحديقة، تنزع حذاءها تمشي على العشب، تسير وتدور في نفس الدائرة تلمس النخيل، تقفز لتهز أغصان الشجر وتضحك، تلقي بنظرتها على هذا المدى الصغير فيخفت صوت الشارع القريب، تستلقي على العشب، يذوب جسدها فيه، تمد يديها، تستنشق رائحته حتى يسقط الندى مطرًا من عينيها.