1 | رحلة بدافع الحنين

بعد أول زيارة لبجدة عام 2023 وضعت زيارتها الدورية في قائمة أمنيات العيش الهنيّ، لم آخذ وقتًا طويلًا فيها حتى نمَت محبتي الخالصة لها، كأنما خُلقت من رمالها، وكان الحب أجلّ ما أهديه مقابل ما أكرمتني به من الراحة والصفاء والأصدقاء.

مرّ عامٌ تلو الآخر، وبقيَت بجدة في روحي وذاكرتي سلوى استأنس بها، شُغلت عنها في دوامة العيش، وكلّما تعبت سألت نفسي كيف تمرّ الأيام بهذه السرعة دون حساب وإدراك؟ في العام المنصرم تأججت حياتي المهنية عصفت بي وعشت تقلباتها الغريبة، صفعتني وصفعتها، أجهدتني حتى شعرت بالحنين يفيض لبجدة، كما حنّ درويش لخبز أمه، وكما أحن لأمي، فقررت ألا ينتهي العام دون زيارتها.

خلال ثلاثة أشهر أغلقت الملفات العالقة، استقلت من عملي وحجزت رحلة الذهاب دون موعد محدد للعودة، روحي متعطّشة للصفاء والرمال والجبال والسماء والهدوء، ولا أعرف كم يومًا أحتاج لأرتوي.

خيّم عليّ قلق ليلة السفر الغريب، غريب لأنني شخص بارد جدًا ولديّ حلول دائمًا ولا أحب اعتراضاته السخيفة عليّ؛ استحال القلق أرقًا، ولم أنم ليلة الرحلة حتى الثانية فجرًا، وضعت المنبه قبل الموعد بأربع ساعات، واستيقظت قبل الإقلاع بساعتين! مع ذلك تساءلت فورًا هل هذه رسالة تمنعني عن الرحلة؟ كنت خائفة أن يقسو عليّ قدري ولكن أمر الله من سعة، أقسمت لنفسي ألا أنام الليلة إلا في بجدة، قمت بواجباتي المنزلية بسرعة، لم أكتفِ بلمّ أكياس المهملات والتخلص من بقايا الأكل بل قررت أن أتحمم بسرعة، خلال ساعة استقلت سيارة، تلقّيت اتصالاً من الخطوط الجويّة يستفسر عن موقعي الآن ويطلب مني الاستعجال قبل فوات الرحلة، ولأول مرة جرّبت الركض في ساحة المطار، كنت في داخلي سعيدة بخوض هذه التجربة إذ لم أضطر في حياتي لهذا الركض من قبل، اتصل مرّة أخرى وطلب مني ترك حقيبتي لدى الأمانات، حاولت شحنها ولم استطع، كنت أشعر أن الدنيا كلها تركض في كل اتجاه، وفي رأسي الطائرة التي ستُقلع بدوني! اتصل للمرة الأخيرة بي واعتذرت منه.

وقفت في مكاني أكرر في نفسي خلاص طارت، لأستوعب الفكرة، لم أتخيّل في حياتي أن تكون لي تجربة مع فوات الرحلات، كانت الفرصة مناسبة جدًا للبكاء، هل كانت رسالة إلهية للعودة إلى المنزل والبحث عن عمل أم اختبار لإصراري؟ فتحت هاتفي وحجزت أقرب رحلة بعد ست ساعات، مضى الوقت ببطء لم أشهده من قبل، تمشّيت في المطار، قرأت، تحدّثت مع غرباء، ولم أهدأ حتى ركبت الطائرة.

“تشعر الطيور بشيء أقرب إلى الألم والخوف قبل الهجرة مباشرة، ولا شيء يخفف من هذا الشعور سوى التحليق.”

12 ديسمبر 2025

Posted in

أضف تعليق