حدث التغيير الأول في نظرتي لحياتي بعد أن أدركت انشغالي بحكايات الآخرين في التاريخ والأدب والسينما، تساءلت آنذاك من أكون في هذا الوجود؟ وما هي قصتي بين كل هذه القصص؟ وقررت أن أعيش حياتي بصدق وأكون فيها البطل والكاتب والمخرج، ولعلّ هذه المقدمة إيضاحًا لما سيأتي.
وقعت بين يديّ أثناء العمل صورة لصحراء ممتدة وشمس هادئة تمنح كلّ شيء بريقه المستحق، غمرتني مشاعر دهشة وغرقت في بحر الجمال، ولأن إيماني عميق بحكمة الله في أصغر تفاصيل أقدارنا ظلّت الصورة خلفية عام كامل من حياتي، تأملتها في أيامٍ وليالٍ وانشغلت بها وبنفسي، كانت أشبه بمفتاح سرّي فتح لي بابَ الجمال على مصراعيه لأتعلم أن الفن الصادق يحرّك أعمق ما فينا، ولأدرك أن الجمال مُلقى في زوايا حياتنا تلتقط أثره العين المُبصرة.
وفي هذا قرأت اقتباسًا من كتاب يُجيب فيه مجموعة من الروائيين الأسبان عن سبب كتابتهم للرواية، وأحدهم كتب “لاختراق روح القارئ”، وأدركت حينها أن الفن بكل أشكاله لديه قُدرة عجيبة على اختراق أرواحنا.
بدأت أبحث عن الصحراء وكأن حواسّي لم تلتقطها أبدًا في الشعر والأغاني والكتب، يقول سيّد البيد في قصيدة عنوانها أنغامٌ من الصحراء:
كنَّا نعيشُ الحبَّ في الصحراءْ
وحْيٌ من السماءْ
رسالةٌ فِطريَّةٌ
أنشودةٌ عذراءْ
لا نعرفُ الرسائل الملوّنةْ
والكلمات الحلوة المدوّنةْ
لا نعرف النفاقْ
ولم نمارس اللهو بتهريب العواطفِ
فالحبُّ عندنا انطلاقْ
والعشقُ عندنا انتماءْ
كموسمِ الرحيلْ
كنسمةِ الصباحِ، كالأصيلْ
كالماء، كالهواءْ
في الصحراء كانت تدور في رأسي أفكار كثيرة من بينها أنني أكون أخف وأكثر وضوحًا، ويكون حدسي صادقًا حيال الوجوه التي تمرّ بي وحتى حيال نفسي، وهذا ما أفتقده في المُدن.
الحبُّ فِي الصحراءْ
حكايةٌ تطولْ
وقصَّةٌ كثيرةُ الفصولْ
تَروي عن الزمانْ
متاعبَ الإنسانْ
كفاحَهُ من أجلِ أنْ يَحيا الحياة
صراعَهُ من أجلِ لُقمةٍ
عزيزة المنالْ
ممزوجة بحبَّات العرق
وذرّات الرمالْ
كان الشعر مدخلًا رقيقًا يزيد فضولي عن السرّ بين الإنسان والصحراء، كيف كانت مشاعرهم تفيض من مداد الرملِ وقيض الشمس، حتى تعرّفت على إبراهيم الكوني، الفيلسوف الأديب الليبي، العاشق الملتحم والمتيّم بالصحراء الكبرى التي ترعرع فيها بداية عمره، وظلّ يكتب عنها، مسرحه الأساسي وموضوعه الأهم وبطله الأبديّ، هذا الوفاء الأثير سحرًا لم أفهمه آنذاك، سحرًا أيقظ داخلي شعور بالفزع والتَّرقّب.
قرأت عن الصحراء بلغة الكوني التي أعجز عن وصفها، ثمّ جاء ترتيب القدر وكانت “رحلة البدو في الصحراء” مع بانجيا في بجدة، تجربةٌ أختبر فيها مواجهة الصحراء، وأفهم شعور الإنسان المتيّم بها.

أضف تعليق