أجلس على مكتبي أمام النافذة المطلة على زخات المطر، بعد أن لمحت اجتماع الغيوم لساعات ثم تلبّدها وتغيّر لونها، وأخيرًا اللحظة الأولى لهطول المطر، سقط بكثافة مهيبة وقوّة لافتة كأنها بداية سيمفونية تقبض على أنفاسك وتأخذك بسحرها فلا تسمع غيرها، وهل أشهى للأذن من وقع المطر على الأرض؟ وبهذا أعتقد أن الرياض في نيسان تغدو حنونة وتحاول تبرير قسوتها بربيعٍ ليس لنا منه إلا المطر.
أما ذاكرتي فقد قررت استرجاع مشهد من مسلسل الفصول الأربعة لماجدة أو (مَقدة) وهي تقول: لك هَي مطرة نيسان بتحيي قلب الإنسان. وهنا اختلط الحنين علي لكل شيء، لمطر الربيع في الوديان والجبال وللطفلة المبللة، ولمشهد اللعب مع خالي تحت المطر – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- وحتى لسوريا التي لم أزرها بعد. مقدة امرأة مُتلبّكة تحب أن تعطي اللحظة قيمتها إلا أن حياتها تقف ضد رغباتها الصادقة، في المشهد ذاته يُجيبها نجيب زوجها الهارب من المطر بتنبؤات الأرصاد الجوية التي توقعت هذا، ويطول حديثه عن الطقس كأنما لم تلفته العبارة الرقيقة ولا زوجته المبللة والسعيدة تحت المطر، تتحوّل سعادتها الغامرة إلى شيء يشبه النحيب واليأس، تختلط دموعها بماء المطر ولا يأبه، امرأة تشتهي ملء حياتها بالمحبة فقط، تظل تبحث عن سبب منطقي لحب زوجها بعد مرور السنوات، حين تسقط أقنعة البدايات وتطفو عاديّة المرء على السطح. المستفاد من القصة ربما أن الفعل وحده لا يروي الاحتياجات العاطفية لدى النساء، بل الحب هو الفعل والكلمة والشعور والتعبير بكل الحواس.
وأنا مثل نجيب في نيسان أحيانًا، أحاول إيجاد المنطق في فوضى حياتي وأنا أعيد ترتيبها من جديد بكامل جديّتي، فأنسى جمال اللحظة، حين نزل المطر أول مرة فَضّلت مراقبته من النافذة حتى لا أفوّت موعد النوم، فيترتب على ذلك الاستيقاظ المتأخر والسقوط في بئر البؤس وجلد الذات، ثم برحمة الله نزل المطر في أيامٍ أُخَر وتبللت به كما أشتهي.
بعد العيد حين تهدأ الأجواء الاجتماعية أنسى طريقة أيامي قبل ذلك، تمامًا تشبه الحالة نكتة نسيان مهام العمل بعد انقضاء الإجازة، الشيء الوحيد الذي لم أنسَه هو الذهاب إلى العمل وإنجاز المهام، تختفي دوافعي التي أعرفها يقيناً وأبقى في هدوء هاربة من كل شيء استجمع أفكاري وأحاول استذكار طريقتي في العيش او لعلي أخلق طُرق أخرى.
كان الحل أمامي ولكن تركت نفسي على هواها طوال شهر، حين وجدت نفسي خاليه من الدوافع لفعل أي شي لم أركض ولم ينتابني الهلع بل توقعت أنه عارض علاجه النوم المبكر، كل شيء بعد هذا سيأخذ موقعه الطبيعي، وبالفعل كأنما يحمل لي الصباح مفتاحًا سحريًا لتحريك دوافعي الشخصية وإعادة الحياة لمجراها الطبيعي، وما ساعدني على إعادة ضبط الروتين وتحديد الأولويات أنني في مطلع العام رتبت لنفسي خطة شخصية مكتوبة وفصلتها على أهداف أصغر أنجزها في كل ربع سنة وأُتابعها نهاية كل شهر، لم أنجز كثيرًا لكنني عشت أيام هادئة، حاولت بقدر استطاعتي في البداية التخلص من الحنين لبيت الجد ثم ركضت في العمل واعتذرت كثيرًا من كل المقابلات والخروجات لأن طاقتي المحدودة ما كانت تحتمل أي شيء، وبهذا أعتقد أنني مستعدة لبداية الشهر القادم بلستة مهام وقراءات وأمنيات جديدة.

أضف تعليق