تحرّيات قبل أن يوشك الحريق على الاندلاع
واحدة من الخطوات التي اتّبعتها مؤخرًا يوم الخميس؛ عدّ المهام التي أنجزتها خلال الأسبوع كمسرّات صغيرة تُذكّرني بما حققته، وإعداد قائمة بما عليّ إنجازه أو البدء بالعمل عليه في الأسبوع القادم، ولا أعرف كيف انتهى الخميس الفائت وأنا في حالة صدمة إثر استقبال مهمّة جديدة نهاية اليوم لم تكن في الحِسبان، وبعيدًا عن حجمها ومدى أهميتها، إلا أن مزاجي وطاقتي كانا خارج نطاق الخدمة تمامًا، شعرت بعجز عن القيام بأي رد فعل، حالة تشبه اللحظة الأولى للاستيقاظ حين يحتاج المرء لساعتين على الأقل حتى يسترجع هويّته ومكانه ودوره في المجتمع ويستوعب كامل قصته، فلا يطيق آنذاك الحديث مع أحد ولا الاستماع لأحد، قررت أن أتوقف، وحين لاحظت جارتي في المكتب هول الصدمة على وجهي، لم تتردد في تقديم مساعدتها لي وتهوينها الأمر عليّ، ربما شعرت بخيبة تجاه نفسي لأنني أحب أداء مهامي على أتم وجه، وأكره حين لا يسعفني الوقت ولا تمتد طاقتي للقيام بكل ما يُطلب مني، ولكن كما يقول الجواهري أهذه صخرة أم هذه كبد؟! مهما حاولت فأنا كاتبة، ولست واحدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
خرجت مسرعة إلى المنزل، ورافقني الصداع طوال اليوم، وفي محاولة لاستفتاح نهاية الأسبوع التقيت بصديقة في مقهى، ثم رحلَت وبقيت وحدي أحاول كتابة أي شيء يخطر في ذهني، لعلّي أفهم الحالة والعجز الذي شعرت به حتى نسيت أهم ما أنجزته خلال الأسبوع، لقد كتبت مقالة كان موضوعها هاجسٌ يتردد علي طوال عامين، أنجزتها بصورة تُلائم النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ليست موسّعة كما رغبت لكنني أحبها بأي شكلٍ كانت، وبأي طريقة رأت النور عبرها.
تسلل إلى ذهني سؤال عمّا إن كان هذا الشعور من بوادر الاحتراق الوظيفي؟ أو شيء يقود إليه! حاولت استرجاع مشاعري في الأيام المهنية الصعبة وتذكّر شكل هذه المتلازمة، خلال سبعة أعوام في سوق العمل مررت بتجارب كثيرة، عملت في أيام متواصلة، أعرف الطعم المرّ للانهيارات المهنية، للمواجهات الصعبة، إلا أنني أقف الآن ولا أتذكر من كدَر الأيام شيئًا، وهذه من نِعَم الله وأفضاله الكبيرة الكثيرة علينا، حين يكتب لنا التجارب لتربّينا ثم بقدرته يُنسينا مُرّها، ربما أيضًا لأن جلّ اهتمامي الحقيقي طوال مسيرتي المهنية مُنصب نحو العمل والإنجاز وما يجب أن أتعلمه خارج سياق كل شيء.
في محرّك البحث بدأت أقرأ عن الاحتراق الوظيفي، وفي الملاحظات بدأت أكتب ما يدور في ذهني.
عادت ذاكرتي لمشهد قديم، حين كنت طفلة اعتدت على نسخ كتب أختي الجامعية آنذاك، وتخيلت نفسي كاتبة حين أكبر منشغلة بالورقة والقلم، مع أن إجابتي على سؤال ماذا ستصبحين إذا كبرتي؟ مُختلفة تماماً، فقد أحببت الرياضيات أكثر من القراءة، وكُنت أجيد التعبير وأحسبه مهارة أُمارسها لأغراض شخصية، وفضّلت المسار العلمي على الأدبي، وظننت أنني سأكون إما معلمة أو طبيبة، وكرهت دراسة اللغة والأدب، ولكن حين كبرت عرفت قيمة اللغة العربية على وجه الخصوص وتبدّل رأيي.
وأنا أتذكر كل هذا أحببت قدري أكثر وعرفت لماذا أحب عملي، ولماذا بدأت أتذكر كل هذا، ربما ليكبر فيّ الامتنان وأرى التحديات بعين تتجاوز المهم للأهم، فحين ساق الله لخيالي تلك الصورة وأنا طفلة، قدّر لي العمل في هذا الحقل، لذا أعتقد أن حياتي تشبه لعبة البازل، لا شيء يحدث صدفة، وكل شيء يقود إلى شيء آخر، ويرتبط به.
أكملت البحث عن الاحتراق الوظيفي، وقرأت ما يزيد عن عشرين مقالة بعضها تحليلات نفسية، وأخرى عن تجارب شخصية، وآخر لفتتني لأمور لم أفكر بها من قبل، على سبيل المثال كتبت إيمان أسعد مقالة على بعنوان “هل وزنت الوقت الذي تهدره في توافه الوظيفة؟” باختصار تحدثت عن المهام التي تأكل وقتنا دون طائل إنتاجي منها، كأن ننجز مهمة عن موظف آخر بدل أن نتركه يتعلّمها بنفسه أو نرشده لتعلّمها، أو أن نصحح عن المصحح التلقائي، تبدو مسألة سخيفة في بادئ الأمر، ولكنها قد تأخذ من ساعات العمل في كل يوم ما يوازي الساعة أو الساعة والنصف، وهذا الوقت أحق أن نقضيه في إنجاز المهام المخوّلة إلينا.
وتقول شذى محمد في نشرة لها عن أهمية مشاركة زملاء العمل التحديات التي تواجهنا وذكرت بأنها حين أدى انغماسها في العمل إلى تفويت مواعيد الوجبات الأساسية لم تفعل شيئاً في البداية، حتى وصل الأمر مداه، وقررت إشراك زملائها بالتحديات التي تواجهها، فلفتت انتباههم وتلقت المساعدة التي تحتاج إليها، وهكذا ببساطة أنقذت نفسها من متلازمة قد يمتد أثرها على جودة حياتها وإنتاجها المهني.
وفي دراسة أُجريت على عدد من موظفي قطاع التقنية في الصين عام 2025، أكدت بأن الاحتراق الوظيفي ليس مجرّد ضغط عمل بل استنزاف نفسي وعاطفي مستمر، والمثير أنها وصفت مهارة “إدارة المشاعر والقدرة على ضبطها أو ما يسمى بالكفاءة الذاتية لتنظيم المشاعر” بحاجز نفسي يحول دون تحوّل ضغط العمل إلى احتراق وظيفي، إذ يمتاز هؤلاء الأشخاص بالقدرة على التحكم بمشاعرهم تحت الضغط وإعادة تفسير المواقف السلبية ما يُساعدهم على الحد من أثر البيئات السامة عليهم، وبالتالي صلابة نفسية تؤدي إلى النجاة، وأكدت الدراسة أيضاً بأن هذا لا يجعل الاحتراق نتيجة لضعف الموظف بل هو نتيجة لثقافة بيئة العمل، والمهارة أعلاه تساعد على التعامل مع ضغط العمل، ورؤية المصاعب كتحديات مُحفزة للإنجاز.
ما استنتجته في نهاية الأمر أن ما حدث معي حالة طبيعية نتجت عن مواجهة لشيء غير متوقع، لو لم تستوقفني لقادتني إلى حيث يندلع الحريق، وأدركت بعد البحث أنها كانت فرصة لاكتشاف متلازمة بعين الباحِث لا بعين المُجرّب كما العادة، متلازمة يختلف وقوعنا فيها باختلاف زوايا رؤيتنا، وعرفت عبرها أن الامتنان للمعنى الصادق أجلّ ما نتحلّى به، والشجاعة لمن “قال لا في وجه من قالوا نعم” ولكن في الوقت الصحيح والموقف المُناسب.

أضف تعليق