قبل شهر أو أكثر شعرت بلوعة اشتياق لصديقتي في الأردن، وقررت زيارتها في إجازتي الصيفية دون أن أخطط لسفرة جماعية، ثم حاولت إشعال الغيرة ودفع صديقاتي للسفر معي حتى صرنا خمسة في الرحلة، تمامًا كما يغنّي صباح فخري بتصرّف “كنت وحدة على النبعة .. إجا المحبوب صرنا خمسة”.
مشاعر السعادة التي غمرتني في أول يوم إجازة لا تُنسى، وأحلى مافي ذلك الوقت أنني أحزم حقائبي لأسافر دون أن أخطط كثيرًا وأجهل ما الذي سأعود به.
اخترت كتاب صاحب الظل الطويل لأقرأه في الطائرة، شاهدت المسلسل الكرتوني لجودي أبوت مرتين، مرة وأنا صغيرة لا أتذكره إلا لماماً، وتأثرت حينها بكتابتها للرسائل وربما هي التي دفعتني لتقدير أدب الرسائل، وشاهدته مرة أخرى في بداية عشرينياتي، أما الكتاب فحين بدأت بقراءته لم أتوقف حتى انتصفته في ساعة الوصول، أغرِمت بترجمة بثينة الإبراهيم أما رسائل جودي فقد أصابني جمالها بمقتل وسقطت دموعي لأنها رائعة ولأنني أريد أيضاً أن أكتب رسائل شفافة ونقيّة لصاحب الظل الطويل.
في بداية مراهقتي كتبت مئة رسالة مُتخيّلة لصاحب الظل الطويل أظنني أحرقتها، والآن أتبادل الرسائل مع صديقاتي وأريد أن تكبر الدائرة غير أن دوافع الكتابة تنكمش في أيام العمل، عمومًا لم أكن حزينة بقراءة الرسائل بل كانت رائعة ومنعشة كأنها استحمامٌ في الصيف بالماء البارد، أروع مافي الوجود أن نملك الفضول وأن نملك معها دوافعًا للعيش، ونعرف كيف نرى الاشياء بطريقتنا ومن منظورنا الخاص، هذا ما أكّدته لي جودي أبوت أو جين ويبستر.
أريد أن أصرخ وأرقص في كل مرة أتذكر أنني أعيش تجربة كانت بعيدة أو صعبة أو حلمًا ركنته جانباً في رأسي ثم صار حقيقةً أعيشها اليوم. لا أعرف كيف تصبح الأشياء عادية في متناول يدي بينما لم أكن قادرة على تخيّلها ولا كيف سأكون حين أعيشها، كأن أسافر مع صديقاتي مثلاً، قد تبدو أمور عادية، حتى أتذكر أنها كانت حلمًا في حياتي فأشعر بلذّتها.
لا أتذكر ما الذي كتبته عن الرحلة الأولى مع صديقاتي لكنها لا تُنسى ولا أريد الكتابة بإسهاب عنها بل أحب أن أربيها في ذاكرتي وفي الصور وربما بعد زمن حين أشتاق إليها سأكتب عنها، اكتشفنا خلالها أننا متشابهات جدًا، لا نخشى من هذا التشابه بل نفرح به، تصادمنا في بعض الأحيان وتعلّمنا كيف نفعل ذاك دون قلق التخلي، توطدت علاقتنا بالانكشاف وأتذكر دهشة بشرى التي كانت ربما تراني شابّة مثقفة ورصينة لكنها رأتني تافهة متهاونة ومُضحكة وغير ناضجة تماماً، ذلك كلّه وأنا منشغلة بعملي الذي جئت به، عُدت من الرحلة بذكريات ولحظات غسلت فؤادي وعلّمتني أن لدي صديقات حقيقيات.
عمّان مرة أخرى مع صديقاتي العزيزات
ولكن هذه المرة مع خالتو نادية أم صديقتنا رغد، يالها من إضافة رائعة أن نسافر صديقات وأم حنونه عذبة المحيا تحب الطرب الأصيل وتستمتع معنا في كل شيء.
كانت الأيام قصيرة جدًا وتمر بسرعة، قضينا اليوم الأول في جرَش، فلّة بين التلال الذهبية المتأثرة بالصيف ربما لا أعتقد أنها ستظل هكذا في الربيع ولن أتحدّث عمّا فعلنا خشية الحديث عن خصوصيات صديقاتي لأنني لو كتبت سأتحدث عن كل شي حتى عن العشاء الذي طهته شهد وتذكرت على المائدة بأنني لا أحب الوجبات السريعة ولكن على أية حال أكلت وأحب أي شيء تعدّه شهد.
في اليوم التالي تناولنا الإفطار في مطعم دينا وهو مطعم شعبي مزدحم، انتظرنا كثيرًا لنحصل على مكان، كان المشهد المفضّل في الرحلة امتلاء المكان بالناس وأصواتهم، وبدا لي أن المسؤول عن الموسيقى مغرم بإليسا، يقدّمون أشهى إفطار عربي مع خبز التنور المحضّر في آنه، أكلنا الفلافل بالطريقة الشهيّة التي تعلّمناها من شهد خبز وحمص وفلافل مع أوراق النعناع وشرائح الطماطم وزيت الزيتون.
في المساء تجوّلنا في البلد تناولنا حلاوة الجبن وكنافة حبيية مع القهوة، وتعرّفت في كشك الطليعة الثقافي على صاحبه سامي أبو حسين وهو يسير على خطى والده أحمد حسن ويُكمل مسيرته في نشر الثقافة، أسس والده الكشك في عام 1949 وعمل في توصيل الصحف والكتب القادمة من البلدان العربيّة النَّشطة ثقافيًا آنذاك على دراجته، هل كان يشعر كما أظن بالدهشة والحب تجاه عمله!؟ سألته عن توصياته لكتب أردنيين مُعاصرين دون أن أحدد أي شيء فضحك وأخرج لي كتاباً له اسمه سرديّات عمّانية يذكر فيه تاريخ مقاهي البلد ومكتباتها وينقل فيه الأخبار المكتوبه عن والده – رحمه الله-. وتعرّفت معه على شادي العلاوي رجل كركيّ أصيل، يبدو الأمل نقياً في وجهه وكأنه جاء من زمنٍ قديم، وحين يتحدث عن الأردن كأنه يحكي عن ابنةٍ له، دار بيننا الحوار عن الكتابة والكتب واتفقنا على أن يأخذني في جولة لبعض أحياء عمّان ثم في اليوم التالي نصحني بالذهاب إلى أمسية شعرية، في نهاية اليوم جلسنا في مقهى جفرا واستمتعنا بجلسة العود والأغاني القديمة.
جرّبنا في يوم آخر تناول الزرب تقول شهد أنه يشبه المندي ولكن بالطريقة الأردنية، وحين بحثت عنه وجدت أنه من أشهر الأكلات في بوادي الأردن ووادي رم، يشبه المندي في طريقة الطهي ولكن له نكهة ومذاق لا توصف لذتها. وزرت مع بشرى قرية الصويفية؛ ربما هذه المرة الأولى التي أرى فيها Jordan وليست عمّان، منطقة حيّة ومتاجر كثيرة عربيّة غالباً، التجول والجلوس في المكان ممتع، شربنا القهوة وتحدثنا، واشتريت من هناك طقم فناجين للقهوة، لم أتمالك نفسي حين رأيته وشعرت أنني بحاجة ماسّة إليه، لونه الأساسي أبيض رُسمت عليه خطوط بلون البحر وزهور وردية بأوراق خضراء، ألوان منعشة تستحق أن تكون في منزلي.
أفكر أن أشتري جميع أواني منزلي من محطات السفر، حتى لو كانت مجهولة وبعيدة لست على عجل، كنت أبحث عن فناجين القيشاني لكنها حصرًا في دمشق، وأنا مُغرمة بسوريا ولو كان لي حلماً واحدًا سيتحقق حتماً قبل أن أموت سأختار زيارة الشام، وسوف أزورها يومًا ما بإذن الله.
تذكرت:
وأنا في جرش فتحت الخريطة ووجدت أن بيني وبين درعا ساعة وأربعون دقيقة، وكانت بيني وبين الشام ثلاث ساعات. وفي الرحلة السابقة حينما زرت السلط كنت على بُعد ساعة من فلسطين، لا أعرف ما الذي يدفعني لهذا البحث لكنه الأمر الوحيد الذي أحاول إشاحة وجهي عنه، لا أحتمل كل الحزن القاتم الذي يُخيم علي لو حاولت الاستطراد والتفكّر فيه.
بعد هذه الثلاثة أيام عادت صديقاتي إلى الوطن وبقيَت معي صديقة جديدة ليومان وليلة واحدة ثم صرت وحدي في عمّان وسأكتب عن تلك الأيام في التدوينات القادمة.

أضف تعليق