قضينا يومان وليلة في عمّان، ورغم أنف الحقيقة والواقع المرير الذي كان يصفعها مرّة ويلطمني مرّةً أخرى إلا أن الوقت كان ملكنا فاستمتعنا به.
قبل السفر بحثت عن أشخاص يؤجرون غرف في منازلهم، كانت واحدة من أحلامي أن أعيش حياة الرحّالة الذين يقطنون منازل الناس في بلدانهم فيكتشفون أن التجربة أبلغ من الكلام الذي يقرؤونه في القصص ويشاهدونه في الأفلام. لم أجد فقلت خيرة. حجزت استديو صغير في جبل اللويبدة، غرفة نوم مريحة مؤثثة على الطًّراز الحديث، كرسي وطاولة وشُرفة تطل على بنايات السّكن.
في الأردن والشام عمومًا يُطلقون على الشُّرفة “البرندا”، وأنا أحب هذه الكلمة وحين بحثت عنها وجدت الأستاذ عارف حجاوي يشرح أصلها، فيقول بأنها جاءت بدايةً من كلمة ڤَرندا بفتح الفاء في اللغة السنسكريتية الهندية ثم انتقلت إلى الفُرس ومنهم أخذها العرب وانتقلت معهم إلى الأندلس ورحلت إلى إيطاليا ثم عادت إلى العرب ڤِرندا أو ڤيرندا بكسر الفاء. ولو سُئلت الآن ماذا سأكون لو كنت أي شيء غير الإنسان، سأختار بالطبع أن أكون كلمة تُسافر دون جُهد وعناء وتظلّ في الوجود ما بقي البشر؛ في كلامهم أو في كتبهم.
قبل الرحلة بأيام قليلة وجدَت لي رغد غرفة في منزل زوجين، احترت في البداية بينها وبين الأخرى المريحة ثم حجزتها وانسحبت من الأولى، كنت سعيدة لأنها ستكون مفاجأة، لم أفتش عنها أو أستفسر كثيراً، أيًا كانت النتائج أريد أن أتفاجأ.
حملنا حقائبنا وذهبنا إلى المجهول؛ بناية في شارع الرينبو، المفاجأة الأولى أنها في الطابق الثالث، والثانية أنها بلا مصعد، فور وصولنا رآنا الشاب الذي يعمل في مقهى بجانب البناية بالرغم من نحول جسده قدّم لنا مساعدة لا تُنسى، نعم ساعدنا في حمل الحقائب الخمسة، وأنا أجر حقيبتي أو أحملها في الحقيقة كنت أخبر شيخة الكار أن هذه التجربة تُعِدُّنا للسفر حول العالم، قد لا نجد من يحمل حقائبنا في المنزل المجهول الذي سأُخاطر باستئجاره في جبال صقلية أو أي مكان حول العالم. خرج الزوجين إلى عملهما قبل وصولنا وتركا لي مفتاح المنزل والغرفة في زرعة بجانب الباب، ذكرني الباب بمنزل بثينة في زمن العار.
لفتتني صورة فيروز في المدخل، بفستانها الأحمر وملامحها الرقيقة الحادة، أتمنى لو أنني ولدت في أربعينيات القرن العشرين، لأحظى بالحضور لمسرحيّات وحفلات السيدة في بعلبك وبيروت.
الصالة صغيرة ودافئة مؤثثة بطراز قديم، أريكة زيتونية سجاد ملوّن تلفاز بجانبه الصوبيا كنت مندهشة منها فلم أرها حقيقةً من قبل بل أعرفها من المسلسلات، شرحت لي شيخة الكار طريقة استخدامها وإشعالها. توجد مكتبة صغيرة تحمل كتباً عربية وأجنبية قديمة ذا ورق أصفر، ونسختين من القرآن الكريم والكتاب المقدس وصليب وفي أعلاها خمّارة، كيف جمعوا كل هذا في مكان واحد! أعتقد أنها جزء من الديكور في المنزل، فكّرت في البداية بأن المكتبات عادةً ما تعكس روح القارئ وتسمح لنا بالتعرّف عليه لكن لا أظنها مكتبة شخصية، المطبخ متوسط المساحة متكامل ورثّ.
في السطح جُمعت كراكيب كثيرة، وجلسة لم أجلس عليها ربما بفعل الصيف والأجواء اهترأت، وأتخيل لو كنت في منزل جدي القديم سأجد مثلها بل وأكثر اهتراءً منها، جدار كامل يحمل زرعات ونبتات متنوّعة، كما وجدنا فاس مربوط في عمود خشبي، وجرة ماء وحوض استحمام، عناصر ساعدت شيخة الكار لتؤلف سيناريو مستلهم من مسلسل Breaking Bad، لتدفعني إلى الخروج من المكان حين تغادر فقالت بهذا الفاس تبدأ الجريمة وفي الحوض يكون التشريح وتحليل الجثة. ألا تشبه القصص المرعبة التي تتخيّلها الأمهات لردعنا عن التجارب المجهولة!؟ لم تُرعبني القصة لكنها تسللت إلى عقلي وجعلتني أكثر تحفظاً.
غرفتي مقابل باب السطح تمامًا، كانت واسعة جدًا سجاد ملوّن وباهت، أريكة حضراء، منضدة شفافة وتلفاز حديث على قاعدة خشبية وخلفه وُضعت ألوان زيتية وأدوات رسم ولوحات من بينها لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي؛ الذي قرأت سيرته قبل شهر وألهمتني لأغرق أكثر في تفاصيل حياتي وأعيشها كما أتخيلها، أليست هذه غاية الفن كلّه؟! نوافذ الغرفة واسعة تُطل على منازل عمّان المتزاحمة فوق الجبال، والشارع ضيّق تمتد على طوله الأشجار، والسرير مُحاط بستائر لونها أحمر قاني، وكانت المفاجأة الثالثة خلوّ المنزل من أجهزة التكييف، ستكون تجربة على صفيح ساخن بالفعل.
نمنا قليلاً ثم خرجنا مشياً لتناول الغداء في مطعم سفرة، يقع في فيلا قديمة في جبل عمان، ذهبت إليه في المرة السابقة مع البنات، اخترت ذات الطاولة إلى جانبنا نافذة تطل على نافورة صغيرة وأشجار عالية، تناولنا المنسف وسلطة زهور الكوسا ومنزّلة باذنجان شهيّة، تحدثنا والتقطنا الصور ثم خرجنا وشربنا الشاي في حديقة المطعم وهذه المرة بجانب النافورة دون حاجز لنسمع خرير الماء يمتزج بصوت فيروز وأحاديث الناس، الأشجار كثيرة وعالية وجميلة.
خرجنا بعد ذلك وتسكعنا في شارع الرينبو، دخلنا بعض المتاجر حتى رأيت من بعيد لوحة لبحر لفتتني ودفعتني للاقتراب منها فإذا هو Balian ceramics يعمل فيه رجل سوري من الشام نسيت اسمه، يصنع كل قطعه بيديه بدايةً من عجين السيراميك إلى قصها وحفرها وتلوينها حرقها، قال بأن العمل هذا يحتاج لطولة بال لذلك طلّق زوجته وقص مرارته، يتخلّى عن كل شيء إلا حرفته! غريب أطوار وسريع الانفعال لكنه فنّان مذهل، وقد بدت عنايته في المكان، في كل قطعة، كدت أذوب أمام الجمال وترقرت عيناي فقالت شيخة الكار لأول مرة أرى كيف تتفاعلين مع الجمال وربما كانت العبارة الأجمل في الرحلة، فدائمًا ما يدفعني الجمال للبكاء حتى وإن شاركته مع أحد أعجز عن وصف الشعور وأرغب في الانزواء والجلوس في حالة صمت لساعات وأيام وشهور، للأبد، أريد أن أغرق في الجمال دائمًا، أن أتحول إلى لون أزرق في أحد لوحاته.
تأملنا جميع القطع، إطارات مرايا وصحون زينة، حين رأى البائع دهشتنا أدخلنا إلى معمله الخاص، معظم زبائنه من الأجانب، خرجت من المحل بحلم جديد؛ أريده أن يصنع لي سيراميك منزلي الخاص.
عدنا إلى المنزل بعد العتمة، شاهدت مسلسل وتحدثنا كثيرًا، كان الجو حار جدًا أخذنا حبوب منوّمة، ولم يخف نشاطي وكلامي، استلقت شيخة الكار أغمضت عينيها وحثتني على مواصلة الحديث كي لا أعتقد بأنها مملة وأنا لا أراها مملة ولا زلت أتحدث، حتى تذكرت قصيدتي المفضلة لياسر الأطرش فأجبرتها على الانتباه لتسمع مني، يصلح الشعر أن يكون ملاذًا للإنسان في الأيام الصعبة، وهذا القصيدة على وجه التحديد كانت من صديقتي الوفيّة في الأيام الصعبة أعبر بها الحدود وأرى في العتمة، ربما أبالغ لأن الله وحده يفعل هذا، وكل شيء دونه تسلية نقضي بها الوقت.
ألقيت القصيدة “نعيش ما دمنا نحب” ونمنا على أمل بغدٍ أفضل وحب يفيض منّا لكل شيء يُحيط بنا.
في اليوم التالي ذهبنا إلى مطعم ميجنا، أخذت كتاب صاحب الظل الطويل، وجلسنا بين الأشجار، واستمعنا للعم محمد الذي يعزف على العود ويغنّي بصوتٍ شجيّ وهو يمشي بين الناس. لعبنا لعبة جميلة مع الكتاب حيث تختار واحدة منا رقم صفحة عشوائية ثم تقرأها الأخرى ونتبادل الأدوار لنجد في العبارات إسقاطات على حالنا فنضحك.
تقول جودي أبوت: ها أنذي في لوك ويلو لقضاء الصيف، أو للأبد. فالسكن رخيص والمحيط هادئ ومناسب لحياة أدبية، فما الذي يتمناه كاتب مجتهد أكثر من هذا؟
عُدنا إلى المنزل، غادرت شيخة الكار وبقيت وحدي في مواجهة عمّان.

أضف تعليق