الهواء حامض وحاد، وعواطفي الحساسة تتشرّب كل التعب المُلقى من خطى الناس على الأرصفة، كان المشي في الشارع وحدي يضعني في مأزق وجودي، صوت التبرير يتعالى داخلي، وسيطرت علي الفكرة تلو الأخرى، لست من ألقى الفقر هنا، لست سببًا في شيء، لست سياسيًّا يسعى لوضع الناس في هذا المأزق، لست من اليهود الذي يهددون أمن الحدود ويغتصبون الأرض، لعنت وجودي وشعرت أن حياتي مترفة وتافهة وسخيفة، كأني لم أتعب أبداً، ولم أغرف من لوعة البحث عن عمل، والسعي المضني للأمان والاستقرار، اختلفت عليّ المسميات للمشاعر كلها مرّة واحدة، لقد سقطت عمّان بجبالها وبيوتها على رأسي وتركتني مع كومة تعقيدات أبحث عن الإجابة لأسئلة فرضتها عليّ.
كتبت هذه التدوينة عن الأيام التي قضيتها في عمّان وحدي.
حين تركتني آخر صديقة قررت الخروج بعد الظهيرة في أول موعد مع نفسي إلى مطعم رمان، يقع في منزل قديم ورائع، تعرّفت فيه على السيّدة خِتام استقبلتني بحرارة وحين عرفت بأنني وحدي آنستني بحديثها وعن حبها لوطني، وبالطبع حين شعرتُ بأنها مُريحة فكّرت أن أسألها عن الشارع الذي أسكن فيه ومدى أمانه، وأخبرتها برغبتي في الخروج، دعَت النادل عمر وطلبَت منه مساعدتي في البحث عن فُندق يُلائمني، طرح لي مجموعة فنادق وتواصل معها للاستفسار عن الغرف والأسعار، كنت محظوظة بهذا اللطف، اخترت فندق الفلسفة وسط البل للإقامة فيه خلال الأيام القادمة، لأن الوضع على ما يبدو يحتاج إلى فلسفة.
طلبت السيارة وتوجهت مباشرةً إلى الفندق، رأيت الغرفة وحجزتها ابتداءً من مساء اليوم التالي، كانت سعادتي لا توصف، سيكون لدي حمام خاص بدلاً من الحمام المشترك في شقة شمس، وجهاز تكييف كأي منزل في القرن الحادي والعشرين، عدت بعدها إلى غرفتي الحارِقة وقررت المبيت فيها لأختبر قدرتي في التعايش مع تلك الظروف (الغرفة استأجرتها في شارع الرينبو تحدثت عنها في التدوينة السابقة)
استيقظت في اليوم التالي على صوت البائع المتجوّل، كأن الأجواء صارت ألطف حينها بدأت أشعر بثِقل غريب يتراكم على صدري، لم أحدد منبعه وظننت بأن الأيام القادمة ستخبرني بشيء ما، طلبت وجبة إفطار وبعدها نزلت إلى مقهى سادة لأشرب القهوة، أريد مقهى مثله بجوار منزلي، صغير ويُقدّم القهوة التركية “بالوش”، لا يزدحم ومليء بالأشجار والنباتات كأنه في غابة هواؤه نظيف، سيراميك الأرض منقوش وملوّن، حتى الكراسي منوّعة وملوّنة، جلساته الخارجية على رصيف محفوف بالشجر، لم تعجبني أغاني الجاز، فيروز تليق بالمكان أكثر.
قررت قبل الخروج أن أذهب إلى حمام دينيزبلو، وهو حمام عربي مؤثث على الطِّراز الشامي، فيه ليوان تتوسطه بحرة صغيرة يقدّمون فيه الأراجيل والقهوة وقائمة بسيطة من المشروبات والحلويات، ذائقتهم الموسيقية العربية أشعلت في نفسي رغبة الجلوس ساعتين بعد الانتهاء، كانت مساعِدتي امرأة أردنية من السّلط أخبرتني عن مدى أمان المدينة، وعن جمال السلط ومأدبا. ودعتني لحضور احتفال عائلة بابنتهم العروس في الليوان، تخيّلت بأنني كومبارس في دراما شاميّة دوري المهم أن أبدو سعيدة ومتحمّسة مع ناس لا أعرفهم.
عدت إلى منزل شمس، وحدي حملت ثلاث حقائب من الطابق الثالث دون أي مساعدة، ودّعت المنزل وذهبت إلى غرفتي الجديدة، الطريق كلّه صعود بين الجبال والبيوت المتلاصقة، اختلط عليّ المشهد بما أحمله في ذاكرتي عن حارات مكة الجبلية، كنت أنا كما الموقع الجغرافي، المسافة التي قطعتها بين عُمرين هي ذلك الفارق المُقدّر بين المدينتين، ويا إلهي كيف تغيّرت وقطعت الطريق الذي لا أعرفه بخُطى راجِفة واثقة في آنٍ واحد، ولا أصدق بأنني صرت على مشارف الثلاثين متشوّقة لأرى ما الذي قدّره الله لحكايتي.
حين وصلت شعرت بلذعة الوحدة، وأنا عموماً لا أعترف بهذا الشعور أو ربما لم أجرّبه من قبل، ودائمًا أؤمن بأن الله معي، ولدي عائلة وصديقات أستطيع الحديث معهم في أي وقت، ولكن في تلك اللحظة بالذات قمعت رغبتي في الحديث مع أي أحد، اعتذرت عن أُمسية شعرية دُعيت لها، واعتذرت عن مشوار في شوارع اللويبدة، مشاعر مضطربة لا استطيع معها اتخاذ قرار فقررت أن أطلب وجبة غداء، وأستمتع بالزِّرب الأردني في الغرفة المكيّفة ثم أخلد إلى النوم قبل الاستعداد لحفلة المساء. لم أنم ومرّت الساعات بثِقل غريب وأنا مستلقية على السرير.
فكّرت ألا أذهب إلى الحفل الذي بقيت لأجله، لا أعرف لفرج سليمان سوى أغنيتين، ولا أحب الخروج في المساء، ولكن المدرج قريب ولدي تذكرتان للحفل، ثم تذكّرت بأن هذه إجازتي هل ستضيع في غرفة فندق؟ بالطبع لا، على مضض أعددت نفسي للمجهول، خرجت مُترقّبة، البوابة الأقرب للمسرح مُغلقة، سأضطر للمشي، أخبرني السائق أنه لا مجال للإقتراب أكثر ودلّني على الطريق، قال” اقطعي الشارع وروحي للعسكري بيدلّك على موقع المسرح وتحكيش مع زلام بس احكي مع الشرطة بيدلّوك” ربما لاحظ علي توجّسي من المشي وحدي!! قطعت الشارع كامرأة كبيرة متوجسة، وأنا في العادة أهوى قطع الشوارع، سألت وفهمت منتصف الطريق، وحين قطعت المسافة التقيت بالعسكري ذاته فضحك منّي وقرر أن يأخذني إلى المسرح، الدخول إلى المدرج الروماني له هيبته، شعرت بتكدس التاريخ في المكان ولم ألتقط أي صورة.
دخل فرج سليمان مع الفرقة الموسيقية، ومن أول معزوفة انهمرت دموعي وذاب كل ما ألقته عليّ عمّان في يومين، شعرت بأن عمّان كلها تعتذر مني، تلاشى ذلك الثِّقل على صدري، وكنت أعي في تلك اللحظة بالغة الجمال والرقّة أن شيئاً ما يحدث داخلي، كتبت في الملاحظات بأن أدواتي في التعبير عن الجمال هي الكتابة والدموع، وعليّ اكتشاف طرق تعبير جديدة وعليّ أن أكتب أكثر، وأرسم أيضاً وألوّن، فكما تنفجر مشاعري المكتومة في لحظة غضب، كذلك تسقط دموعي حين يصبح الجمال كثيفًا غامرًا لكل خليّه في جسدي.
الموسيقى الحيّة أخذت وجداني لعالم أبعد وأهدأ، لم تستدعي قصص من ذاكرتي ولا حتى من خيالي، كنت غارقة في الموسيقى والحركة البشرية في الساحة الخارجية والمنازل المعلقة في الجبال، و الأجمل في تلك الساعات استماعي لأُغنيات جديدة غير مرتبطة بأي شيء في حياتي، لا قصص ولا أشخاص ولا مراحل، كان اللحن بارع جداً في بساطتها، وربما هذا ما احتجت إليه، الانفكاك من كل تعقيدات الحياة، مسرح وموسيقى وأنا وحدي.
طوال عمري أحببت كلاسيكيات الأغنية العربية، ولا أندمج مع أي موسيقى بسهولة، قد استمع لكل شيء دون أن أتأثر جدًا، وفي السنوات الأخيرة اخترت ألا ترتبط الموسيقى بأيامي وحكاياتي، لأن التعرض الطويل لها يُثير اشمئزازي من كل شيء، أمضيت نصف هذا العام بلا سماعات، ولكن أحببت عالم فرج سليمان، وبالمناسبة شاهدت عدة مقابلات ورأيت مدى بساطته وولعه بتأليف الموسيقى وعزفها يتعامل معها كنجار ماهر لا يُتقن سوى النجارة
يُغنّي فرج شوي بتوجع برلين، وأرددها شوي بتوجع عمّان، حلوه وملانه ناس. انتهى الحفل وخرجت بروح أخف، أحب عمّان الصعبة والناس والشارع والعسكر والباعة المتجوّلون، وفي رأسي تدور فكرة ربما في حالة عمّان أو في بلاد الشام كلها الموسيقى والفن حاجة مُلحّة ليبقى الإنسان إنساناً لا ينفجر من تراكمات العيش ولتبقَ المدينة في حالتها الطبيعية دون أن تنفجر من تراكمات الغضب عليها،
انتظرت سائق الأوبر بجوار مجموعة من الشرطة ولم أتحرك من مكاني، طلبت منهم مساعدتي لوصف الموقع للسائق، فأخذني الشرطي ليقطّعني الشارع حاملاً الهاتف عني ومتحدثاً مع السائق، في مثل هذه المواقف لا أعرف ما الذي يدور في رأسي لديّ فكرة حيال الموضوع لكنها بعد غير واضحة، بالعموم فأنا لا أحب وصف الطريق وأشعر بجهد فظيع لو فعلت ذلك.
السائق يبدو اجتماعي جداً، كلما توقّفنا في زحام السير تحدث مع سائقو السيارات المجاورة، وأنا كنت سعيدة أفكر في نعمة الوجود والسفر والعيش وخبأت في نفسي قلق المدينة الذي لم أجد إجابته بعد.
في اليوم التالي والأخير، استيقظت بشعور ثقيل، وتساءلت ما هذه النَزعة في شخصي؟ أيضيق صدري في الحارات العشوائية ومن الفقر أم عليه!؟ كل الإجابات مثل بعضها، وأنا أكره رمسنة الفقر والحديث عنه كأنه عالمٌ بسيط بينما تملؤه التعقيدات وطعمه مُرّ ومُفزع، فتناقضت قليلاً مع نفسي لقد جئت سائحة أستمتع بالوقت ثم وجدت نفسي في دوامة من التناقضات الثقيلة.
لازالت عمّان تُحمّلني عبء الزيارة، ولا أعرف ما الذي ينتظرني بعد، خرجت مشياً للإفطار في مقهى جفرا، كل خطوة كانت أثقل من سابقتها، أوقفني شاب قبل وصولي إلى الموقع الذي أُريده وقدّم لي عرضاً للإفطار في المقهى الذي يعمل فيه لا أتذكر العرض لكنني قبِلت التجربة، جلست في الشُّرفة أُراقب حركة الشارع، طلبت وجبة الإفطار ثم القهوة وأنا وحدي أحاول الاستمتاع، لكنني لم أتمالك دموعي التي قررت أن تنهمر دون سبب واضح سوى أنها عمّان، الشوارع نظيفة في نهار الجمعة، الناس مهندمون ورائعون ولم يُقاطعني في الطريق أطفال يطلبون المساعدة ولم أتعرض لمُضايقات لكن شيئاً ما يدق في روحي. عُدت إلى الفندق وأنا أرفض هذه الحالة وأحاول أن أفهم.
بعد ساعات قليلة رتّبت قائمة بمكتبات البلد، وقررت الخروج، بدأت من مكتبة خزانة الجاحظ مُعلّقٌ على بابها خارطة فلسطين، مليئة بأنواع الكتب والنوادر، ثم وجدت مكتبة سند مُغلقة نهائياً، صعدت على درج الكلحة وهو الدرج الذي يربط وسط البلد باللويبدة لأصل إلى جدل لم تكن مكتبة كبيرة بل مساحة فنيّة للكُتّاب والموسيقيين ومقهى والقليل من الكتب، لفتتني رسمة على الجدار للثائرة مي سكاف رحمها الله، ثم زرت دار صفحات التي توفر الكثير من الكتب بأسعار رخيصة، ويبدو أن مكتبات البلد توفر كتبها من هذه الدار، كان البائع مشغول بالرد على اتصالات أولئك الباعة، ثم ذهبت إلى سكون مقهى ومكتبة جلست فيها لأكثر من أربع ساعات شربت القهوة وفتّشت في الكتب وتعرّفت على شاب فلسطيني، بائع كُتب لا يقرأ، تحدثنا كثيرًا عن الحياة في عمّان والعمل والمعاشات والعائلة وبدأت أفهم حكاية هذه العاصمة المعقّدة، بدا لي شخص لا مُبالي يرى كل شيء بعين الملل والاستسلام الذي لا يعيقه بطبيعة الحال عن العمل، سألني ما الممتع في زيارة البلد؟ كنافة حبيبة وقهوة وغُنى، وبعدين؟ لا يوجد شيء مُثير ومدهش كما في البلاد الغربية، لا يتغير شيء. ربما كان صادقاً بناءً على الزاوية التي قرر أن يرى خلالها الأمور، ولكن من زاوية أبعد وفيما غاب عن ذهنه هذه المشاوير اليومية المملة للسكّان أو حتى للسيّاح هي المُحرك السياحي المؤثر على اقتصاد البلد.
خرجت وفي الطريق إلى فندق الفلسفة زرت كشك الطليعة للمرة الثانية لأودع عمو سامي ولم أجد صديقه شادي الذي لم أرَ أكثر منه ولعاً بعمّان وربما يجب عليّ في زيارة أخرى أن أرى المدينة التي يعرفها هو، حاولت أن أمشي ببطء، وكنت أفكر بأن عمّان تستحق الأفضل.
في صباح اليوم الأخير لملمت حقائبي وأفكاري وتوجهت إلى المطار، بالتأكيد مررت على مقهى العميد لآخذ مؤونة من البن، كان الطريق ممتعًا تحاورت فيه مع السائق عن عمّان وعن حياته فيها، هو عبدالعزيز سريوه لاعب كرة قدم اعتزل اللعب إثر حادثٍ عصيب نجى منه بلُطف الله وسخاءه، واستمر في المجال كمعلّم ومدرب، له ثلاثة إخوة لاعبوا كُرة قدم، شغلت والدته منصباً في قسم اللغة العربية بجامعة أبها لسنوات، فتغنّى بأبها البهيّة وما يعرفه عنها، حدّثته عمّا شعرت به في عمّان فقد كانت فرصتي الأخيرة للبحث عن إجابة، فأخبرني أن الإنسان في عمّان مُنهك من الركض المستمر بحثاً عن المال وخوفاً من غلاء المعيشة المتزايد، استطرد في الحديث حتى شعرت أن عُقد المشاعر تتفكك تجاه المدينة وبدأت أفهم كل شيء، كان مثقفاً بارعاً في انتقاء أحاديثه وبدا لي متفهّمًا لحالة بلده، يحبّها بشدّة ويدرك في قرارة نفسه أنها ربّته على يديها ولفظت في روحه العناد والقوّة.
وهكذا انتهى موعدي مع عمّان، في السفر لا نحصل دائماً على ما نتوقعه، وفرة انبساط وذكريات سعيدة، قد نخوض تجارب تغمرنا بالأسئلة وتضعنا في تحدّي مع المُدن، وقد نكتشف جوانباً من أنفسنا ليس لدينا الوقت الكافي لاكتشافها في دوامة الأيام العادية، سأزور عمّان عشرات المرات وأجوب العواصم العربية وأحبها بكل مافيها من عيوب أكثر مما أحب البلاد الغربية وإن كانت أكثر جمالاً ورفاهية.

أضف تعليق